حين تتزاحم أسماء العظماء في سجل التاريخ، يبقى الإمام علي بن أبي طالب (ع) اسمًا متفرّدًا لا يشبهه اسم، لأنه لم يكن بطلًا صنعته الحروب، ولا قائدًا أفرزته الظروف، بل كان مدرسةً متكاملةً في الإيمان والشجاعة والعدل والإنسانية. تربّى في بيت النبوة، وفتح عينيه على نور الرسالة، فكان أول المؤمنين، وأصدق المدافعين، وأوفى المضحين في سبيل الإسلام.

لقد ارتبط اسم الإمام علي (ع) بحفظ بيضة الإسلام منذ اللحظات الأولى لظهور الدعوة المباركة. ففي كل موطنٍ اشتد فيه الخطب، كان عليٌّ حاضرًا بقلبه وسيفه وإيمانه. ليلة الهجرة نام في فراش رسول الله (ص) غير هيّابٍ ولا وجل، مقدّمًا نفسه فداءً للرسالة. وفي بدر وأحد والأحزاب كانت راية الإسلام ترفرف بعزيمته، وكان سيفه يكتب صفحات النصر حين تتراجع السيوف وتضطرب النفوس.

ومن هنا، استحق أن يكون فارس الهيجاء؛ ذلك الفارس الذي لم تعرف ساحات الوغى له تراجعًا، ولم تعرف له ميادين البطولة نظيرًا. كان إذا اشتد القتال تقدّم، وإذا عظمت المحنة ثبت، وإذا اضطربت القلوب ازداد يقينًا. لم تكن شجاعته شجاعة جسدٍ فحسب، بل شجاعة عقيدةٍ راسخةٍ وإيمانٍ لا تهزه العواصف.

أما خيبر فقد بقيت شاهدًا خالدًا على بأسه الفريد. حين استعصت الحصون وتعثرت المحاولات، أعلن النبي (ص) بشارةً خالدة بأن الراية ستُعطى لرجلٍ يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. وما إن حملها علي (ع) حتى تبدلت موازين المعركة، وسقطت حصون الكبر أمام يقين المؤمن، فدخل التاريخ من أوسع أبوابه بلقب فارس خيبر، ذلك اللقب الذي صار عنوانًا للشجاعة والإقدام عبر الأجيال.

لكن عظمة الإمام علي (ع) لا تختزلها ميادين القتال وحدها؛ فقد كان بعد الحرب أفقه الناس حكمةً، وأعدلهم حكمًا، وأرحمهم بالفقراء والمساكين. جمع بين صلابة الموقف ورقة القلب، وبين قوة السيف وعدالة الكلمة، حتى أصبح نموذجًا خالدًا للإنسان الكامل الذي يلتقي عنده المجد الروحي والمجد الإنساني.

ولهذا بقيت محبته تسكن القلوب، لا لأنها عاطفة عابرة، بل لأنها ارتباطٌ بقيم الحق والكرامة والوفاء. فكل من عشق عليًّا (ع) إنما عشق فيه الإيمان الصادق، والعدل الناطق، والشجاعة التي لا تعرف المساومة على الحق.

مولاي يا أبا الحسن، ما زالت الأرواح تهفو إلى ذكرك، وما زالت القلوب تستضيء بنور سيرتك، لأنك كنت وما زلت فارس الهيجاء، وفارس خيبر، وإمامًا للأحرار والعاشقين.

مولاي يا أبا السبطين

عشِقتُ والهوى فيضٌ

وبوحُ العشقِ لا يُغفر

ولكنَّ الهوى الوضاءَ

يا مولاي قد أزهر

أبا الحوراءِ أعياني

حنينٌ فيَّ قد أثّر

فراقٌ كاد يدميني

وشوقٌ للثرى الأسمر

فإن ضاقت بنا الدنيا

صرخنا والحشا يسعر

وإن جارت بأهوالٍ

هتفنا سيدي حيدر

سراجٌ أنتَ في الدنيا

قسيم أنت في المحشر

عليٌّ حبُّه فرضٌ

علينا إذ قدر

أمولايَ متى ألقى

قبابًا في السما تُنظر

وألثم يا أبا الحورا

بشوقٍ ذلك المنبر

وأدنو منك كي أشكو

إليك جراحيَ الأخضر

بعمق الأفق جبريلٌ

بصوتٍ صادحٍ كبّر

علي لا فتى إلاه

علي فاس خيبر


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.