حَيَاةٌ، ثم مَوْتٌ، ثم بَعْثٌ                        حديثُ خرافةٍ يا أَمَّ عمروٍ

هذا البيتُ، هو الحكاية كُلُّها: ففي بدايته، المنابعُ والأُصول. وفي نهايتِه الرفضُ أو القبول.

ولكن، بدايةً.. لا بُدَّ لنا من الوقوف على أصلِ التسمية، لهذا الموروث الفكري، الذي دُعِيَ بـ: “الخرافة”.

إنَّ لفظة “خرافة”، الواردة في هذا البيت، هي اسمُ رجُلٍ من “بني عُذْرة، أو من جُهَيْنة”، اخْتَطَفْتهُ الجِنُّ، ثم رجع إلى قومه؛ فكان يُحدِّث بأحاديثَ مما رأى، يَعْجبُ منها الناسُ فكذَّبوه؛ فجرى على ألْسنِ الناس[1]… “وكانت العربُ إذا سمعت ما لا أصل له، قالت: حديث خرافة… أو أمحلُ من حديث خرافة”[2]… ثم كثُر في كلامهم، حتى قالوا للأباطيل: خرافات[3]… فقال الشاعر:

ودَعْ حديثَ مَنْ غدا خُرافةْ

فإنَّه للعقل أَيُّ آفة[4].

ولعل هذا، هو ما دفع العرب إلى أن يُطلقوا اسم الخَرَف، على فَسَادِ العقلِ مِنْ الكِبَرِ، فقالوا: “خَرِفَ الرَّجُلُ، يَخْرَفُ خَرَفًا، فهو خَرِفٌ.. والأنثى خَرِفَةٌ.. إذا أَخْرفةُ الهَرَمُ”[5].

 

تعريف الخرافة

إذا انطلقنا من قول ابن منظور: إن الخرافة هي كلُّ ما يُستمْلحُ ويُتعجَّبُ منه.. من حديث الليل.. بل هي “الحديث المستملحُ من الكذب”. نستنتج أن الخرافة في بعض وجوهها: نوعٌ من أنواع الأدب الشعبي تطيبُ به المسامرة، لاستهوائه النفوس، لما فيه من غرابة وإدهاش وخيال: سواءٌ على مستوى الأحداث الخارقة الدائرة بعيدًا عن الواقع… أو على مستوى الأبطال المتفوقين الذين كثيرًا ما تتشابك علاقاتهم مع كائنات ما ورائية: كالجن والعفاريت والأرواح الهائمة.. أو الحيوانات الأسطورية… أو غير ذلك مما لم يألفه البشر.

غَيْرَ أننا نرى، أن الخرافَة في معظم وجوهها الأخرى، إنما هي من جملة العقائد الدينية والفكرية، والمفاهيم الاجتماعية التي أبدعها العقلُ البشري في ظروفٍ خاصة، خلال محاولاته الدؤوبة منذ أقدم العصور، لفهْم حقيقةِ هذا الكون، ومعنى وجودِه… ومِنْ ثَمَّ، لفلسفةِ رحلةِ هذا الإنسان، عَبْرَ “حياةٍ ثم موتٍ ثم بَعثٍ”… مع ما يكتنفُها من رَسْمٍ لحدودِ العلاقة، بين الإنسانِ وخالقِهِ، أو ما يربطه مع غيره من المخلوقات.. المنظورة أو الغيبية. ومهما كانت طبيعة أيٍّ من هذه الخرافات، أو قيمتُها.. فإنها تبقى مرآةً لِنفسيةِ الشعوب التي أنتجتْها.. مهما كان رأينا فيها.

بين الأسطورة والخرافة

مع أن الأسطورَة، هي أيضًا، قصةٌ خرافيةٌ، يسودُها الخيالُ، وتَبرُزُ فيها قوى الطبيعة، في صُوَرِ كائناتٍ حيَّةٍ، ذاتِ شخصيةٍ ممتازةٍ… من خلال سَرْدٍ لا تتفقُ عناصرُه مع الحقيقةِ الملموسة… فإنها تبقى وسيلةً لتفسير صعوبةِ فهمِ النُظُمِ الكونيةِ كما تبدو للإنسانية: إمَّا من الناحيةِ الأخلاقية، أو من الناحيةِ الماورائية…

فالأسطورةُ، بمثابةِ تفسيرٍ يقومُ به الإنسانُ، لأسرارٍ لا يفهمُها؛ وهو خلال ذلك، يُضفي على سَرْدِهِ الذي يبتكرُهُ، قيمةً دينيةً واضحة.. الأمر الذي يُحوِّلُ الأسطورَة، إلى “حكايةٍ مقدَّسة” ذاتِ مضمونٍ عميقٍ… وبالتالي تصبحُ في نظره من المُسلَّمات التي لا يتزعزعُ إيمانُه بصِدْقيَّتها لأنها باتت الدِّينَ والفلسفة والتاريخ معًا بالنسبة له[6].

ولكن، لَمَّا كان كثيرٌ من الخرافات يشبه الأساطيرَ إلى حَدِّ الالتباس… أو يُنظرُ إليها، على أنها بقايا أساطيرَ موغلةٍ في القِدَم… فقد خلط بعض الباحثين بين الأسطورة والخرافة عند جمعِه وتصنيفه لميثولوجيا الشعوب القديمة[7].

ومما زاد الطين بلَّة، أنَّ صلة القُربى التي تربط بين الأسطورة والخرافة، قد تخلق بينهما حالةً تبادُليّة؛ إذ قد يلتقط أحدُ الكهنة باعتباره الشخص الوحيد الذي تمدُّه الآلهةُ بقوةٍ خاصة – في فترات ضعف المؤسسة الدينيّة، وتضعضع المعتقدات الراسخة – حكايةً خرافيةً، فيحمِّلُها مضامين دينيةً، ويُضفي عليها طابع القداسة، فترتقي إلى مصافِ الأسطورة.

وبالمقابل، فقد تؤدي تغييراتٌ عميقةٌ في بُنْيةِ المعتقدات الدينية، إلى زوالِ القداسة عن أسطورة ما، وهبوطها إلى مستوى الخرافةِ، لتندرجَ في المرويات الشعبية الأكثر رواجًا[8].

ولعل “فيلون الجيلي”، كان أوَّل ناقدٍ شرقيّ النشأةِ، يحاول في القرن الأول الميلادي، نقد الأدبِ الميثولوجي الإغريقي، ويُنبِّه إلى هذا الخلطِ بين المرويات المختلفة، فيقول:[9]

“إنَّ الإغريق، البارزين بين الشعوب جميعًا بخيالهم اللامعِ، قد انسجموا مع معظم هذه الأمورِ (أي المرويَّات القديمة)، وأثقلوها بتوشياتٍ متنوعة، لتعطيهم صيغةً دراماتيكية؛ مستهدفين إغواء سِحْرِ الخرافات، فمسَخوها مسْخًا كاملًا، ومن ذلك، أن “هزيود” وشعراء الملاحم المعظّمين، اصطنعوا نظريات أصْلِ الآلهة، وصراع الجبابرة، وصراع التيتان، التي عُرفت عنهم؛ ثم عمليات الخِصاء التي كانوا يحملونها من مكان إلى مكان.. وقد طمسوا كلَّ حقيقةٍ؛ ونحن، قد أَلِفَتْ آذانُنا منذُ سنواتنا الباكرة، سماع خرافاتهم الكاذبة، وتشرَّبت نفوسنا هذه الأباطيل، منذ قرونٍ، فغدت تحفظ هذه “الخزعبلات” الوهمية، وكأنها كنزٌ ثمينٌ… وقد سانَدَ مرور الزمن عَمَلَهم، فجعل هذا الاختلاس إلى حدٍ، باتت الحقيقة معه تبدو وكأنها هذيانٌ، والخرافاتُ الصبيانيةُ تأخذ دور الحقيقة”.

الأساطير والخرافات عند العرب

عرف العرب قبل الإسلام الأساطير، كما عرفها غيرهم من شعوب العالم القديم: في وادي النيل، أو في بلاد الرافدين، أو بلاد الإغريق، أو فارس، أو الهند، أو الصين، أو غيرها[10].

وما يؤيد ما ذهبنا إليه، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ[11]، أو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً[12].

غير أن هذه الأساطير والخرافات التي ولَّدها أو اقتبسها الفكر العربي قبل الإسلام، اقتصرت على مسألة الخلقِ والحياة، ثم على مسألة الموت… ولم تتعدَّ إلى مسألة البعث والحياة الثانية في الآخرة؛ لأن معظم العرب في ذلك الوقت، كانوا يعتقدون، أنَّ قدر الإنسان إنما يتوقفُ عند حدود الموت، ولا شيء بعد ذلك… رغم معرفتهم بعقيدة البعث والنشور، عند كثير من الشعوب المجاورة لهم، أو العقائد الأخرى التي كانوا يحتكُّون بها، كاليهودية أو النصرانية أو الماجوسية[13].

وقد أكَّد هذا الاعتقاد أيضًا، القرآن الكريم، حيث قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ[14].

ثم زاد ذلك وضوحًا؛ إذ ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَ الدَّهْرُ[15].

ولعل قولَه تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ* إِنْ هِيَ إِلاَ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ[16]… هو خيرُ مثال على تلك الفلسفة المتهكمة التي كان يسلكها العرب حول هذا الموضوع، ليأتي شاعرهم فيختزلها في البيت الذي أوردناه في مستهل هذه الدراسة… ويبقى “البعثُ” في نظرهم مجرَّد “حديثِ خرافة”.. ليس إلا.

ما وصلنا من خرافات التراث العربي

ومهما يكن من أمرٍ، فإن ما وصلنا من الفكر الجاهلي، من الأساطير والخرافات، لا يعدو كوْنَه نُتُفًا؛ وهو يصبُّ في باب الخرافات أكثر منه في باب الأساطير؛ ذلك أن المؤرخين المسلمين -مع بدء التدوين- قد أسقطوا أساطير العرب قبل الإسلام، لأنها لا تتفق مع مفاهيم، أو روح الدِّين الجديد… فضلًا عن أن الأساطير التي كان يتناقلها الرواة[17]. قد أصابها التشويه أو التحريف أو أتى عليها النسيان. فلذلك، فإنَّ ما وصل إلينا من “أساطير” العرب وخرافاتهم، قبل الإسلام، لا يُمكن مقارنته مع ما وصلنا من الأساطير الإغريقية أو الفرعونية، أو مع أساطير الهند أو فارس أو غيرها، مِمّا صُنِّف في ما يُعرف اليومَ، بعِلم “الميثولوجيا”.

ورغم نزارة مع ما وصلنا من أساطير العرب وخرافاتهم قبل الإسلام، فإنه يغطي مساحةً لا بأس بها من حياتهم الفكرية، في ذلك العصر، ويعطينا فكرة جيدة، عن الموضوعات المتنوعة التي كانت محط اهتمامهم[18]؛ فمن ذلك:

أسطورة الخلق: وملخصها، أن الله لما أراد أن يخلق السماوات والأرض، خلق جوهرةً خضراء، أضعاف طِباق السموات والأرض، ثم نظر إليها فصارت ماءً، ثم نظر إلى الماء فغلى، وارتفع منه زبدٌ ودخان وبخارٌ، وأرعد من خشية الله.

فمن ذلك يرعد إلى يوم القيامة.. ثم أرسل الله من تحت العرش ملاكًا، فهبط تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه.. ثم أرسل ثورًا له سبعون ألف قرن، وأربعون ألف قائمة، لتستقر على سنامِه رِجْلا الملاك، فلم تستقرا تمامًا، فجعل الله بين سنام الثورِ وأُذُنَيْه ياقوتة خضراء، غلظُها مسيرة خمسماية عام… فاستقرت قدما الملاك عليها… ثم صخرةً استقرَّ عليها الثورُ.. ثم حوتًا استقرَّ فوقه الثورُ[19].

أسطورة إرَم ذات العماد: وقد أشار القرآن إلى هذه المدينة، بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ[20].. وهي التي بناها شدّاد بن عاد في حكاية الطول[21].

نَسْرُ لقمان: لما كان العرب لا يؤمنون بالبعثِ، فقد كثُرت لديهم الأساطيرُ التي ترمز إلى طلبهم الخلود على هذه الأرض؛ ولعلَّ من أشهر تلك الأساطير، أسطورة لقمان بن عاد الذي اختار طول عمره، وربطه بعُمر نسْرِه “لُبَد”، باعتبار أن النسور تُعمِّر كثيرًا… حتى إذا دنا أجلُ “لُبد” ولم يَعُدْ قادرًا على الوقوف، جزع لقمان، وراح يحثُّ لُبد على النهوض بقوله: “إنهضْ لُبَدْ، أنت الأبد، لا تقطع بي الأمد”.. غير أنَّ النسر لم يقوَ على النهوض ومات، فخرَّ لقمان ميّتًا إلى جانبه[22]… وفيه يقول النابغة[23]:

أضحت خلاءً وأضحى أهلُها احتُملوا

أخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ

وفي المثل: “طال الأبد على لُبد”[24].

أجناس الناطقين من المخلوقات

يقول المسعودي[25]: “زعم كثيرٌ من الناس، أنَّ الحيوان الناطق ثلاثةُ أجناس: ناس ونِسْناس وبنتاس”[26]… وفي “لسان العرب”[27]: “النِسناس: دابة في عِداد الوحش، تُصاد وتُؤكل، وهي على شكل الإنسان بعين واحدة ورِجل ويَدٍ، تتكلم مثل الإنسان”، لهذا سمَّت العربُ هذا النوع من المخلوقات بالشقِّ[28]؛ وفي هذا يقول الألوسي في بلوغ الأرب[29]: “كان الشِق بن أنمار ابن نزار هذا، شقَّ إنسان: له يدٌ واحدة، ورِجلٌ واحدة، وعينٌ واحدة”. غير أن بعضهم وصف النسناس على أنه تركيبٌ بين الشقِ والإنسان، على شكل قرد… وأنه ربما قال الشعر[30].

المسخ[31]: رغم أنَّ مسألة المسخِ من الأمور التي أقرَّها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ[32].. أو في قوله أيضًا: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ[33]… ولو في نطاق مُعيَّن.. فقد كانت هذه المسألةُ عند العرب قبل الإسلام عقيدة واسعة الانتشار، لأنها تناولت مختلف المخلوقات دون استثناء؛ فقد تناولت:

البشر: حيث كان العرب يعتقدون، “أن حيًّا من قوم عادٍ، عصَوا رسولَهم، فَمَسَخهُم الله نَسْناسًا، لكلٍّ منهم يدٌ ورِجلٌ من شِقٍّ واحدٍ، يَنْقُزُون كما ينقُزُ الطائر، ويَرْعَون كما ترعى البهائم”[34].

بل لقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير، عندما جعلوا الإنسان قادرًا على التخلُّقِ كيف يشاء: فقد روى المقريزي في “الطرفة الغريبة” أنَّ “بوادي حضرموت، بالقرب منه، على مسيرة يومين إلى نجْدٍ، قومٌ يُقال لهم “الصيعر”، يسكنون القفر في أودية؛ وفرقةٌ منهم تنقلبُ ذئابًا ضارية أيام القحط؛ وإذا أراد أحدهم أن يخرج من مِسلاخِ الذئب إلى هيئة الإنسان وصورته، تمرَّغ بالأرض؛ وإذا به يرجع بشرًا سويًّا. وقال: إن في وادي حضرموت، قبائل منها البراوجة والجلاهية والنباثنة، وآل أبي مالك، وآل مسلم، وآل ابن ربيع، وآل أبي الحشرج، وجميع هذه القبائل لها أحوالٌ عجيبةٌ: منها، أنَّ الرجل منهم يمر في الهواء ليلًا من حضرموت، وقد انقلب في هيئة طائرٍ كالرخمةِ أو الحَدَأَةِ، حتى يبلغ أرض الهند”[35].

الحيوان: إذ فضلًا عن القِردة والخنازير ممَّن مُسِخوا من ملعوني الأمم الخالية، فقد ذهبت العرب إلى أنَّ الضبَّ والفيل والأرنب والسلحفاة والوزغة والحكأة والعنكبوت والفأر والكلاب والحمام والجرِّي (سمك)، هي ممَّن مُسخ من البشر[36]

“وتزعم الأعرابُ، أن الله قد مسخ كلَّ صاحب مَكْس (ضريبة) وجابي خراجٍ وإتاوة، إذا كان ظالمًا؛ وأنه مسخ ماكسين: أحدهما ذئبًا والآخر ضبعًا[37]. وفي ذلك قول الحكم بن عمرو البهراني:

“مسَخ الماكسَين ضبعًا وذئبًا

فلهذا تناجلا أمَّ عمرو”[38].

ولعلَّ هذا الاعتقاد يُبرِّرُ خرافةً أخرى عند الأعراب، وهي أنه لهذه القرابة بين الذئب والضبع، يَتَسَافدَان ويتناجلان[39]… فضلًا عن رعاية الذئب أو الذئبة لصغار الضبع؛ حتى قالت العرب: “أحمقُ من جهيزة”، وهي أنثى الذئب، لأنها تدع جراءها وتُرضعُ جراء الضّبع[40].

ومن العرب من قال: إن المِسْخَ لا يتناسلُ؛ ومنهم من زعم أنه يبقى ويتناسل، حتى جعل الضب والأرانب والكلاب من أولاد تلك الأمم التي مُسِختْ في هذه الصُور[41].

الجماد: ومن ذلك أنَّ النجم “سهيلًا” كان عشَّارًا في اليمن[42]؛ و”الزُهَرة”، كانت بغيًّا، عرجتْ إلى السماء باسم الله الأعظم، الذي تعلمتْه من هاروت وماروت… فمسخها الله شهابًا[43].

كذلك قِيل: إن “الصفا” و”المروة” كانتا رجلًا وإمرأة، ثم مُسخا حَجَرين؛ وهكذا قالوا في “أساف” و”نائلة”[44].

ومن الخرافات التي كانت سائدة قبل الإسلام أيضًا:

خروج الهامة: كانت العرب تعتقد، أن النفس طائرٌ ينبسط في جسم الإنسان، فإذا هو قُتل ولم يُطالب بثأره، خرج من رأسه هذا الطائر، الذي يُسمَّى الهامة، وراح يصدح على قبره: اسقوني، اسقوني، حتى يُطلب ثأرُه.

ومن ذلك قول ذي الإصبع:

يا عَمرو إنْ لا تَدَعْ شتمي ومنْقَصَتِي

أضربْك حتى تقولَ الهامةُ: اسقوني[45].

وزعموا أيضًا، أن الهامة لا تزال عند وِلْدِ الميّت وعَقبِه، تُجالسهم لتعْلمَ ما يكون بعده، فتخبرُه به، حتى قال الصلْتُ بن أميَّة لِبَنيه:

هامي تُخبِّرُني بما تستشعروا

فتجنَّبوا الشنعاءَ والمكروها[46].

السانح والبارح: السانح أو السنيح من الطير أو الوحش، هو ما يمرُّ عن يمين المرءِ؛ أما البارح، فهو ما يمرُّ عن يساره. وكان من عادة العرب، أنهم إذا خرجوا لأمرٍ ما، انتظروا، حتى يمرَّ بهم طيرٌ أو وحْشٌ؛ فإذا مرَّ عن يمينهم تفاءلوا، وإذا مرَّ عن يسارهم تشاءموا؛ ومن ذلك قول عنترة:

طرِبْتَ وهاجتْك الظِّباءُ السوانحُ

غداةَ غدت منها سنيحٌ وبارح[47].

الجن[48]: لم تستغرق الخرافات المتنوعة عقل العربي قبل الإسلام، كما استغرقته خرافاته مع الجن، الذي “شاركه” حياته في أفراحها وأتراحها، حتى بات ظِلَّهُ في حِلِّهِ وتِرحالهِ، وجزءًا لا يتجزأ من عقيدته وإيمانه… انطلاقًا من:

* خَلقُ الجن: فإذا انطلقنا من نظرة العربيِّ إلى الجن في طبيعة خَلقِهِ، نذكر ما أورده المسعودي[49]، في “ما ذكره أهل الشرائع، وما نقله أصحاب التواريخ والمُصنِّفون لِكُتُبِ المبتدأ، كوَهب بن منبِّه، وابن إسحق وغيرها؛ أن الله تعالى خلق الجانَّ من نار السموم، وخلق منه زوجته، كما خلق حوَّاء من آدم؛ وأنَّ الجان غشِيها فحملت منه، وأنها باضت إحدى وثلاثين بيضةً، وأنَّ بيضة من ذلك البيْضِ، تفَلَّقتْ عن قُطْرُبةٍ، وهي أمُّ القطارب؛ وأن القُطْرُبَ على صورة الهِرَّة؛ وأنّ الأباليس من بيضة أخرى، منهم الحارث أبو مُرَّةٍ، وأنَّ مسْكنَهم البحور؛ وأنَّ المردَة من بيضة أخرى ومسكنهم جزائر البحر، وأنَّ الغِيلان من بيضة أخرى، مسكنهم الخرابات والفلوات، وأنَّ السعالي من بيضة أخرى، مسكنها الجبال؛ وأنَّ الوساويس من بيضة أخرى، سكنوا الهواء في صورة الحيَّات ذوات الأجنحة، يطيرون هنالك، وأنَّ من بيضة أخرى الدواسق، وأنَّ من بيضةٍ أخرى الحماميص”…

غير أن العرب لم يقْصروا نسل الجن على هذه الحيوانات، بل كانوا “يعتقدون في الديك والغراب والحمامه والورل وساق حر والقنفذ والأرنب والظبي واليربوع والنعام والجية اعتقادات عجيبة:

فمنهم من يعتقد أن للجن بهذه الحيوانات تعلُّقًا؛ ومنهم من يزعم أنها نوعٌ من الجن”[50]، “وأنَّ الكلاب أمةٌ من الجن[51]:

…فالكلاب السود من الجن (أقوياء الجن)، والكلاب البُقع من الحِن (ضعفة الجن)[52]… حتى إذا لم تكن بعض الحيوانات من نسلهم أو مما يتجسدون بهيئتها، فهي من نسل ما يخصَّهم، كالإبل الحوشية، التي زعموا أنها من نسلِ إبل الجن”[53].

* التزاوج بين البشر والجن[54]: للعرب في هذا المجال حكايات كثيرة “كالذي يدَّعون من أولاد السعالي[55] من الناس، كما ذكروا عن عَمْرو بن يربوع، وكما يروي أبو زيد النحوري عن السِعلاة التي أقامت في بني تميمٍ حتى ولدت فيهم، فلما رأت برْقًا يلمعُ من شق بلاد السعالي، حنَّتْ وطارتْ إليهم”[56]. ولعل شعر علباء بن أرقم:

يا قاتَلَ اللهُ بني السِعلاةِ

عَمْرًا وقابوسًا شِرارَ الناتِ[57].

…يُعلِّلُ ما كان يذهب إليه العرب، من أنَّ ذا القرنين، وبلقيس ملكة سبأ، وكذلك قبيلة بني مالك وبني شيصيان وبني يربوع من هذا النتاج المشترك[58].

ولعل هذا أيضًا، يُعلّل أنَّ الجن لم تكن تسكن القفار والخلوات فقط، بل أيضًا المناطق الخصبة وتحميها من الإنس، كأرضِ “وَبار” مثلًا[59]: ومن قصيدة الحكم بن عمرو البهراني قوله في الجن:

ولها خُطَّةٌ بأرضِ وَبَارٍ

مسحوها، فكان لي نصفُ شطْرِ[60].

* علاقات اجتماعية مع الجن: فضلًا عن التزاوج والمصاهرة بين الأعراب والجن، فقد ربطت الطرفين (كما زعموا) علاقات اجتماعية عديدة، من تزاور وولائم وإخبار وتلطف[61]؛ حتى إن بناتٍ من الجن كنَّ ينُحْنَ كل ليلة على قبر حاتم الطائي حزنًا عليه، حتى إذا اقترب منهن إنسي تحولن إلى تماثيل حجرية[62].

“وقال الأعراب: وربما نزلنا بجمعٍ كثير، ورأينا خيامًا وقبابًا وناسًا، ثم فقدناهم من ساعتنا”[63]، ومنهم من كان يرى نيرانًا لهم[64]، أو يسمع هاتفَهم، أو يرى خَيالَهم ويحسُّ بوجودهم إلى جانبه[65]، والحديث في مثل هذا، يطول.

* الصراع مع الجن: إن تلك “العلاقات الطيبة” التي زعمت العربُ أنها كانت تربطها أحيانًا مع الجن، لم تستطعْ أن تنتزعَ من نفوسهم مشاعر الخوف والرهبة والحذر، التي كانوا يعيشونها في بواديهم المقفرة: فهم كانوا يستوحشون من سماع الصدى فيما بين الجبال، ويُرجعون كل شيء مخيفٍ أو صوت غريب خلال أسفارهم إلى الجن… لأن أوهامهم وخرافاتهم المتراكمة في مخزونهم الفكري حول هذا الأمر، جعلتهم يعتقدون أنهم في صراع دائم مع هذا المخلوق:

بل ذهب بعضهم إلى القول – وقد سيطرت على عقولهم فكرةُ الشِّقِّ الممسوخ- إنَّ “من الجن جنسٌ، صورةُ الواحد منهم، على نصف صورة الإنسان، وإسمه شِقٌ، وإنه كثيرًا ما يعرِضُ للرجل المسافر، إذ كان وحدَه: فربما أهلكه فزعًا، وربما أهلكه ضربًا وقتلًا. قالوا: فمن ذلك حديثُ علْقَمَة بن صفوان بن أمية.. جدُّ مروان بن الحكم؛ خرج في الجاهلية وهو يريد مالًا له بمكة، وهو على حمارٍ، وعليه إزارٌ ورِداءٌ، ومعه مقرعته، في ليلةٍ إضحيانية
(مضيئة لا غيم فيها)، حتى انتهى إلى موضع يُقال له حائط حَزْمان، فإذا هو بشِقٍ له يدٌ ورِجلٌ وعينٌ، ومعه سيفٌ، وهو يقول:

عَلْقَمُ إني مقتولْ

وإنَّ لحمي مأكولْ

أضْرِبُهُمْ بالهُذْلول

ضرْبَ غلامٍ شُملولْ

رحْبَ الذِراعِ بُهلُولْ

فقال علقمة:

يا شِقِّها ما لي وَلَكْ

إغمِدَ عَنِّي مُنْصُلَكْ

تَقُتُلُ مَنْ لا يقتُلَكْ

فقال شِقٌّ:

عَبَّيْتَ لي، عَبَّيْتُ لك

كَيْمَا أُتيح مقتلَكْ

فاصْبِرْ لِمَا قد حُمَّ لَكْ

فضربَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، فخرَّا ميِّتين”[66].

* مطايا الجن: وكأنَّ الأعرابيَّ لم يكْفِهِ أن يواجه الجنَّ راجلًا، فخصَّه ببعض الحيوانات مطايا له[67]: ذلك أن “الأعراب لا يصيدون يربوعًا، ولا قنفذًا ولا ورلًا من أول الليل؛ وكذلك كل شيء يكون عندهم من مطايا الجن، كالنعام والظباء… فإن قتل أعرابيٌ قنفذًا أو ورلًا من أول الليل، أو بعض هذه المراكب، لم يأمنْ على فحل إبلِهِ، ومتى اعتراهُ شيءٌ، حكم بأنه عقوبةٌ من قِبَلهم. قالوا: ويسمعون الهاتف عند ذلك بالنعي، وبضُروب الوعيد”[68].

الغول: للعرب في الغول، خرافاتٌ وحكايات طريفة، لم تزل ماثلةً في المخزون الثقافي الشعبي إلى يومنا هذا.

والعرب يزعمون، أن الغول، “اسمٌ لكلِّ شيء من الجنِّ، يعرضُ للسُّفَّار، ويتلوَّنُ في ضروب الصُوَر والثياب، ذكرًا كان أو أنثى، إلّا أنَّ كلامهم على أنه أنثى”[69].

وفي تلَوُّن الغول، يقول كعب بن زهير، في قصيدته “بانت سعاد”:

فما تدومُ على حالٍ تكونُ بها

كما تلَوَّنُ في أثوابها الغُولُ.

وقد فرَّق العرب بين الغول والسِعلاة، التي هي الواحدة من نساءِ الجن؛ وفي هذا يقول عُبيد بن أيوب[70]:

وساخرةٍ منَّي ولو أنَّ عينَها

رأت ما ألاقيه من الهول جُنَّتِ

أزلُّ وسِعلاةٌ وغولٌ بقفْرةٍ

إذا الليلُ وارى الجنَّ فيه أرنَّتِ.

والأعراب يزعمون، أن الغول تستطيع أن تتلون بمختلف الصُوَر، وتُغيِّر كُلَّ شيءٍ فيها… إلّا رِجْليها، اللذين هما كحافري الحمار؛ ولهذا كانوا يرتجزون إذا اعترضتهم في الفيافي:

“يا رِجلَ عَيرٍ إنهقي نهيقًا

لن نتركَ السبْسَبَ والطريقا.

وذلك، أنها كانت تتراءى لهم في الليالي وأوقات الخلوات، فيتوهمون أنها منهم، فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق الذي هم عليه وتُتيهُهم… فإذا صِيحَ بها على ما وصفْنا، شردتْ عنهم في بُطون الأودية ورؤوس الجبال”[71].

ومن طريف ما يزعمه الأعراب في الغول، أنهم عند مواجهتهم لها، إذا ضربها الواحد منهم، ضربةً واحدةً ماتتْ، وعاشت من ضربتين[72].

* التزاوج من الغيلان: نظرًا لأنَّ الغول كانت تفتتِنُ بعض الأعراب في تغوِّلها وتلوِّنها، فإنهم كانوا يخاطبونها، “وربما يتباضعونها، وقد أكثروا من ذلك في أشعارهم؛ فمن ذلك قول تأبَّط شرًّا:

وأدْهمَ قد جُبْتُ جلبابَهُ

كما اجتابتِ الكاعبُ الخيْعلا

على إثْرِ نارٍ ينورُ بها

فبتُّ لها مُدْبرًا مُقْبلًا

فأصبحتُ والغولُ لي جارةٌ

فيا جارتًا أنتِ ما أغولا

وطالبتُها بِضْعَها فالتَوَتْ

بوَجهٍ تغوَّل فاستغولا

فمن كان يسألُ عن جارتي

فإنَّ لها بالِلوَى منزلا”[73].

وقال الحكم بن عمرو البهراني[74]:

وتزوَّجت في الشبيبة غُولًا

بغزالٍ وصِدْقَتي زِقُّ خمْرِ

وللأعراب في الغيلان وشبيهاتها كلام كثيرٌ، مما لا يتسع المجالُ لذكره في هذا البحث[75]… فضلًا عن الخرافات الأخرى، في العادات والسحر والتمائم والتعاويذ والوصفات الطبية العجيبة وغيرها، مما عرفه العرب قبل الإسلام.. وربما ما تزال آثارُه مترسِّبةً في بعض مجتمعاتنا حتى اليوم، الأمر الذي يحتاج معه إلى مجلدات عديدة.

قيمة الخرافة

إن الخرافة، بمُجَرَّدِ تبلورِها، تمتلك في ذاتها قيمةً معنوية معيَّنة؛ لأنها باتت تشكل فصلًا من حضارة مجتمعٍ ما، وبعضًا من تاريخه الحقيقي، أو الافتراضي أو المتوَهَّمُ… وبالتالي، اتخذت لها حيِّزًا في التراث الفكري للإنسانية.

هذا فضلًا عن قيمتها النفسية عند الشعوب التي تُعتقد بها: إذْ يكفي أن تعتقد بها، لتشكل لها ملاذًا روحيًّا من غوائل النفسِ وتهويماتها… حتى وإنْ لم تقف على أبعادِها ومراميها… أو على صورها الحقيقية أو المجازية…

مع ما يستتبعُ ذلك، من قيمةٍ تعويضية تُحرِّرُ شعورَ الإنسانِ بالنقص أو الضعف، أمام من هو أقوى منه… وذلك من خلال شخصية بطولية، تاريخية أو خرافية، تجسِّدُ لهذا الإنسان طموحاتِه وتمنياته وأحلامه ولو في عالم الخيال… حيث نجد في الخرافة العربية، سيف بن ذي يزن، يصرع عشرات الجن بسيفه، الذي انتهى إليه من سام بن نوح.. ويقضي على الغيلان في واديهم، بريشةِ ديكٍ مسحورٍ… لتلتقطه العفاريت الطائرة في الهواء، كلما أحكم عليه الأعداءُ الحصار.

كذلك لم تكن الحكايات البطولية التي صاغها الوجدان العربي حول عنترة بن شداد، أو أبي زيد الهلالي، أو بعض حكايات ألف ليلة وليلة… بعيدة عن هذه القيمة التعويضية التي ترسِّخُ أنموذج البطل المتفوق، الذي يتماشى مع عواطف وانفعالات كل عربي.

إلى جانب هذا، فربما وجدنا للخرافة قيمة أخلاقيةً تعليمية أيضًا، كالخرافات الدائرة على ألْسنة الحيوانات مثلًا؛ حيث كان للعرب باعُهم الطويل في هذا المجال: سواء من خلال الأمثال المضروبة… أو في خلال القصص النثرية أو الشعرية[76].

وكذلك، فإننا نجد للخرافة قيمة أدبية، سواء في كونها جزءًا من الموروث الأدبي… أو في كونها حافزًا أو مادة للأدباء والشعراء… ذات دلالة رمزية عميقة يلجأون إليها، لِتَخَطِّي الزمان والمكان ومُراودةِ المُطْلقِ، في محاولة لتواصل حلقات المصير الانساني. هذا فضلًا عن السحرِ الذي تختزنه الخرافة أو الأسطورة، لتمارسه على القارىء والمستمع، في أصفى درجات الاستلاب الفكري والروحي… والشعور باللذة والنشوة في آن.

كل هذا، والخرافة تشع بقيمتها التاريخية والدينية المطلقة التي هي سِرُّ وجودها، وفيها تكمُنُ ديمومةُ حياتها.

هل كلُّ خرافةٍ خرافة؟

في ظل هذه العقلية المادية، والتفكير الوثني الذي كان يمارسه العربي قبل الإسلام -رغم تأَثُّرِه إلى حدٍ ما بأفكار اليهود والنصارى والصابئة، يؤمن بها تارةً، ويستهزأ بها تارةً أخرى- حيث الدين عنده أساطير الأولين، والبعثُ حديثُ خرافة، والأنبياء عنده مجانين… لا بُدَّ لنا من التساؤل:

هل كلُّ خرافةٍ آمن بها العقلُ العربي قبل الإسلام، بل كلُّ عقْلٍ إنساني وفي أي عصرٍ على الإطلاق… هي في واقع الحال خرافةٌ حتمًا، أم تهيَّأ لهم ذلك، أم تشابه الأمرُ عليهم؟

ألاَ يمكن أن تكون تلك “الخرافة” هي فعلًا، حقيقة تاريخية، ولكن مع تراكم الأجيال وعبور الزمن، وما طرأ عليها من تحريف أو تشويه، قد التبس الأمر عليهم لتُمسَخَ الحقيقةُ خرافةً؟

ثم ألا يمكنُ أن تكون تلك “الخرافة”، حقيقةً علمية – سابقة أو لاحقة – ولكن العقل البشري في زمن “الخرافة”، لم يستطع استيعابها أو فكَّ رموزها، فتوهمها خرافةً؟

وإلّا فما نقول، في ما أتى به “خرافة العذري” ممَّا جرى له مع الجن، وظنَّ الناسُ في عصره، أن ذلك من المحال، وإنْ هو إلا تُرَّهاتٌ وأضغاث أحلام… حتى أطلقوا اسمه على كل مُتوَّهمٍ؟… وبالأخصِّ، بعد أن تحدَّث النبي(ص) بحديثٍ، فقالت امرأةٌ من نسائه: هذا من حديثِ خرافة، قال: لا، وخرافةُ حق”؟[77]… أي ما أتى به خرافة، هو صحيح.

… ثم ما هي ردَّةُ فعلِ الناس وقولهم، في زمن الإمام الصادق، عندما أخبرهم -وبغضِّ النظر عن إيمانهم ومن القائل- “إن المؤمن في زمان القائم، وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب. وكذا الذي في المغرب، يرى أخاه الذي في المشرق”[78]؛ أو عندما أخبرهم أيضًا “أن قائمنا إذا قام، مدَّ الله لِشيعتِنا في أسماعهم وأبصارهم، حتى لا يكون بينهم وبينه بريد، يكلمهم، فيسمعونه وينظرون إليه، وهو في مكانه”؟[79].

… ثم ما هي ردَّة فعلنا نحن اليوم، على هذين الحديثين… ونحن نعيش اختراع التلفزيون والبث الفضائي؟

ثم ما الذي كان يقوله الناسُ، عندما كانوا يسمعون في ما سلف، حكاية “علي بابا والأربعون حرامي”، وبالأخص عندما كانت المغارة لا تفتح، إلّا إذا قال لها: “افتح يا سُمسم”؟

… ثم ما الذي يمكن أن نقوله نحن اليوم، حول: “افتح يا سمسم”، في عصرٍ يقوم فيه الهاتف النقال تلقائيًّا، بوصلك مع مَن تريد، بمجرد أن تلقِّنه مشافهةً اسمَ صاحبك؟

…أو أن يقوم القِفلُ الإلكتروني تلقائيًّا أيضًا، بفتح الباب، بعد أن تُلَقِّنَه “كلمة السِّر” التي برمجتهُ عليها؟

ثم أخيرًا، هل لنا نحن الآن، أن نسمع حديث النمل ونفهم لُغَتهم… أو لغة أي حيوان على الإطلاق… وقد سمع ذلك سليمان وفهمه؟ إذْ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً[80]… حتى إذا تكلمنا عن عَرْشِ بلقيس، و﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي[81]

هل نقول في ذلك خرافة، أم أننا لم نُؤت من العلم إلّا قليلًا؟

ألم يكن الوصول إلى الكواكب فيما مضى خرافة؟

[1] ابن منظور، لسان العرب، مادة: خرفَ.

[2] الزمخشري، المستقصى في أمثال العرب، حيدر آباد 1963، 1/361.

[3] الجاحظ، الحيوان، تح. عبد السلام هارون، القاهرة، مكتبة البابي الحلبي، 1943م، 1/301.

[4] إبراهيم الأحدب، فرائد الآل في مجمع الأمثال، بيروت، المطبعة الكاثوليكية، 1312هـ، 1/161.

[5] لسان العرب: خرف، مصدر سابق.

[6] انظر: محمد عبد المعيد خان، الأساطير والخرافات عند العرب، بيروت، دار الحداثة، 1993م، الصفحة 54 وما بعدها. فراس السواح، الأسطورة والمعنى، دمشق، دار علاء الدين، 1997م، الصفحة 12 وما بعدها. رشيد مبارك، ميثات عربية وشرقية في الشعر العربي الحديث، بيروت، دار ماهر، 1995م، الصفحة 22 وما بعدها. يوسف حلاوي، الأسطورة في الشعر العربي، بيروت، دار الحداثة، 1992م، الصفحة 9 وما بعدها.

[7] الأسطورة والمعنى، مصدر سابق، الصفحة 19.

[8] انظر: سيرج سويزون، الكُهَّان في مصر القديمة، ترجمة عيسى طنوس، دمشق، الأهالي للطباعة والنشر، 1994م، الصفحة21 وما بعدها.

[9] يوسف حوراني، البُنية الذهنية الحضارية في الشرق المتوسطي الآسيوي القديم، بيروت، دار النهار للنشر، 1992، الصفحة 19.

[10] انظر على سبيل المثال: فيرجينيا هاملتون، أساطير الخلق، ترجمة أسامة إسبر، دمشق، دار التكوين للنشر، 2004. جيمس فريزر، أساطير في أصل النار، ترجمة يوسف شلب الشام، دمشق، دار الكندي، 1988م. خزعل الماجدي، مُتُون سومر، عمّان، الأهلية للنشر، 1998، الصفحة 57 وما بعدها. خزعل الماجدي،  إنجيل سومر، عمّان، الأهلية للنشر، 1998.

[11] سورة الأنفال، الآية 31.

[12] سورة الفرقان، الآية 5. وانظر: سورة القلم، الآية 15، وسورة الأحقاف، الآية 13.

[13] الأساطير والخرافات عند العرب، مصدر سابق، الصفحة 158 وما بعدها.

[14] سورة المؤمنون، الآيتان 32 و83، وانظر: سورة النمل، الآيتان 67 و68، وسورة الأحقاف، الآية17.

[15] سورة الجاثية، الآية 24.

[16] سورة المؤمنون، الآيات 35 – 37.

[17] من هؤلاء: كعب الأحبار، ووهب بن مُنبِّه، وعُبيد بن شَرِيَّة، الذي كان أوَّل من صَنَّف الكُتُب من العرب. الزركلي، الإعلام، بيروت، دار العلم للملايين، 1979م، 4/189.

[18] انظر: الأساطير والخرافات عند العرب، مصدر سابق، الصفحة 13.

[19] قصص الأنبياء، الصفحة 4. وانظر: المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تح. شارل بلّا، بيروت، منشورات الجامعة اللبنانية، 1966م، 1/31 وما بعدها.

[20] سورة الفجر، الآيات 6 – 8.

[21] ياقوت الحموي، معجم البلدان: إرم.

[22] الأساطير والخرافات عند العرب، مصدر سابق، الصفحة 45.

[23] ديوان النابغة الذبياني، مصر، مطبعة السعادة، الصفحة 25.

[24] وفي نسرَ لقمان أورد المسعودي، مروج الذهب، 2/323، من شعر الخزرجي: 

يا نسرَ لقمانَ كم تعيشُ وكم                   تلبس ثوب الحياةِ يا لُبَدُ 

قد أصبحتْ دارُ آدم خرِبَتْ                     وأنت فيها كأنك الوتدُ.

[25] مروج الذهب، مصدر سابق، 2/36.

[26] هناك من يذهب إلى القول: إن البشر: ناسُ ونسناس؛ والخوافي: جِنٌّ وحِنٌّ؛ وفي مثل ذلك يقول أعشى سُليْم:

          فما أنا من حِنٍّ إذا كنتُ خافيًا             ولستُ من النسناس في عُنْصُرِ البشرْ

          أي إنه من أكرم الجنسين حيثما وُجد. الحيوان، مصدر سابق، 6/194.

[27] اللسان: نسَسَ.

[28] الجاحظ، رسالة التربيع والتدوير، بيروت، الشركة اللبنانية للكتاب، 1969م، الصفحة 46.

[29] الأُلوسي، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب،  مصر، 1924م، 3/278. وانظر: الأعلام، مصدر سابق، 3/170.

[30] انظر: الحيوان، مصدر سابق، 1/189. ومروج الذهب، مصدر سابق، 2/366.

[31] انظر: الحيوان، مصدر سابق، 1/70، 4/36 و50، 6/79. ورسالة التربيع والتدوير، مصدر سابق، الصفحة 96.

[32] سورة البقرة، الآية 65.

[33] سورة المائدة، الآية 60.

[34] اللسان: نَسَسَ.

[35] أحمد بن محمد المقريزي، الطرفة الغريبة، أخبار وادي حضرموت العجيبة، الصفحتان 19 و20. والأساطير والخرافات عند العرب، مصدر سابق، الصفحة 59.

[36] يُقال: إن الضبَّ كان يهوديًّا عاقًّا من شيوخ بني إسرائيل. الحيوان، 6/77. والفأرة كانت طحَّانة، والكلاب أُمَّةٌ من الجن مُسِخت، الكلب الأسود جنّ، والأبقع حِن. الحيوان، مصدر سابق، 1/297 و308، و6/155.

[37] الحيوان، مصدر سابق، 6/80 و148؛ ومن طرائفهم في هذا المجال: أن الله أدخل ذئبًا الجنة، لأنه أكل عشَّارًا (جابي ضرائب وكان ظالمًا).

[38] المصدر نفسه، 6/80.

[39] المصدر نفسه، 6/150.

[40] المصدر نفسه، 1/197 و198، 6/397. وفرائد الآل، مصدر سابق، 1/182.

[41] الحيوان، مصدر سابق، 4/68.

[42] المصدر نفسه، 1/297 و6/155.

[43] المصدر نفسه، 4/69.

[44] الأساطير والخرافات عند العرب، مصدر سابق، الصفحة 58.

[45] النويري، نهاية الأرب في فنون العرب، القاهرة، دار الكتب المصرية، 1955، 3/121.

[46] مروج الذهب، مصدر سابق، 2/287.

[47]شرح ديوان عنترة بن شداد، بيروت، المكتبة الثقافية بيروت، الصفحة 34. وانظر في هذا الموضوع: نهاية الأرب، مصدر سابق، 3/134 وما بعدها.

[48] انظر: الحيوان، مصدر سابق، 6/158 أو ما بعدها.

[49] مروج الذهب، مصدر سابق، 2/292.

[50] بلوغ الأرب، مصدر سابق، 2/360.

[51] الحيوان، مصدر سابق، 1/297.

[52] المصدر نفسه، 1/291.

[53] المصدر نفسه، 1/155.

[54] المصدر نفسه، 1/188، 6/161 و196.

[55] السعالى: جمع سِعلاة، وهي أنثى الجن.

[56] بلوغ الأرب، مصدر سابق، 2/340. والحيوان، مصدر سابق، 1/185.

[57] الحيوان، مصدر سابق، 1/185 و187. وقصدَ بـ “النات”: الناس.

[58] بلوغ الأرب، مصدر سابق، 2/349. والحيوان، مصدر سابق، 6/197.

[59] المروج، مصدر سابق، 2/273.

[60] الحيوان، مصدر سابق، 6/80.

[61] المصدر نفسه، 6/203.

[62] المروج، مصدر سابق، 2/297.

[63] الحيوان، مصدر سابق، 6/200.

[64] المصدر نفسه، 4/481.

[65] المصدر نفسه، 6/202.

[66] الحيوان، مصدر سابق، 6/206، والمروج، مصدر سابق، 2/296. وانظر أيضًا: الحيوان، مصدر سابق، 1/302، 6/208 وما بعدها.. والمروج، مصدر سابق، 2/297 وما بعدها.

[67] انظر في هذا: الحيوان، مصدر سابق،  6/46، حيث للجن مطايا من الحيوانات دون الأخرى.

[68] الحيوان، مصدر سابق، 1/309 و6/47.

[69] المصدر نفسه، 6/158.

[70] الحيوان، مصدر سابق،  6/160، والمروج، مصدر سابق، 2/291.

[71] المروج، مصدر سابق، 2/289.

[72] الحيوان، مصدر سابق، 1/309.

[73] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، بيروت، 1374م، 4/447. والمروج، مصدر سابق، 2/929.

[74] الحيوان، مصدر سابق، 6/81.

[75] انظر، المروج، مصدر سابق، 2/292 وما بعدها.

[76] من الخرافات النثرية (الرمزية) انظر: أسطورة الضب والضفدع، الحيوان، مصدر سابق، 6/125. ومن الخرفات الشعرية انظر: قصيدة النابغة، الراعي والحية، الحيوان، مصدر سابق، 4/203.

[77] الحيوان، مصدر سابق، 1/301.

[78] المجلسي، بحار الأنوار، 52/391.

[79] المصدر نفسه، 52/236.

[80] سورة الإسراء، الآية 44.

[81] سورة النمل، الآية 40.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.