تمهيد

جاء خروج الإمام الحسين من مكة المكرمة إلى كربلاء المقدسة؛ على عكس الخروج الطبيعي؛ فلم يكن الخروج الحسيني لجوءًا سياسيًّا، أو مجرد هجرة من أرض لأخرى؛ أو بحث رجل عن أرض أمان، أو هروبًا من ظالم؛ أو بحثًا عن الرزق.

ولكن الخروج الحسيني؛ كان تحرّكًا إراديًّا دينيًّا وروحيًّا؛ للتصدي للظالم وأعوانه…

مدخل

كل المسلمين على اختلاف مذاهبهم يصدقون ويؤمنون بقول النبي (ص): “الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”.

وهنا نؤكد على أنه ولا بد أن يكون سيد شباب أهل الجنة رجلًا معصومًا؛ لا يظلم أو يسكت عن الظلم والفساد؛ بل يحارب من يحارب الله ورسوله؛ خاصة إذا كان الظالم هو خليفة المسلمين؛ الذي يستغل الدين لظلم الناس والاستبداد والاستكبار عليهم.

ورغم كل ذلك نجد بعض من رجال الدين من يقول بخطأ الإمام الحسين في خروجه على يزيد؛ وحسب رأيهم الشاذ أن بقاءه في بيته كان خيرًا له وللمسلمين من خروجه.

وَلا نعرف لو تأملنا بقاء الحسين في بيته؛ أو اعتكافه بالبيت الحراَم؛ ماذا كان يفعل؛ هل يتخذ عمودًا للتدريس ويحفّظ الأطفال القرآن، ويشرح ويخرج الأحاديث النبوية؛ أو يعمل مفتيًا ويكون مثل شيخ جامع أو خطيب منبر؟

والإجابة إلى مثل هذا الفهم السقيم؛ نؤكد أن هذا لا يليق بسيد شباب أهل الجنة؛ وهو المعصوم بأمر الله تعالى؛ بل هو الذي يجمع بين الكتاب والميزان؛ كما جاء في سورة الحديد، الآية 25: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ (التوحيد) وَالْمِيزَانَ (العدل) لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾؛ ورأى الإمام (ع) بضرورة التزام السلطة بالعدل بعد التوحيد؛ ويرفض أي محاولة التفريق بين الكتاب والميزان.

ومن كان مثل الحسين؛ يكون له حق الإمامة والخلافة؛ فتقع عليه مسؤولية حفظ الدين الإسلامي من عبث السلاطين وفتاوى السلطة.

والسلطات كانت وما زالت لها فتاوى تقول بالأهواء حتى لو خالفت القرآن والسنة النبوية الصحيحة.

ولم يعدم الأمويون من يبرر لهم قتل الإمام؛ وأنه قُتل بشرع جده النبي صاحب الرسالة؛ مثل ابن تيمية، ومحي الدين بن العربي صاحب كتاب “العواصم من القواصم”؛ أو يروون حديثًا مزورًا وينسبوه إلى النبي (ص)؛ يقول فيه كما في صحيح مسلم: “من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصا الجماعة فاقتلوه بالسيف كائنًا من كان”؛ وهو حديث موضوع لتكريس الاستبداد؛ ويقولون به سرًّا وضمنًا أن الحسين (ع) قُتل بشرع جده رسول الله (ص)، وهو ما عاشت عليه الأمة معظم تاريخها، في محاكمة المعارضين السياسيين وغير السياسيين.

وأيضًا يوجد حديث مزور عن النبي يقول فيه: “إن أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له”؛ وأن يزيد بن معاوية كان أميرًا لذاك الجيش؛ ومن ثم هو مغفور له مسبقًا، حتى لو قتل نسل النبي واستباح حرمة المدينة المنورة في موقعة الحرة.

وهو أمر يثبت أن سياسة البشر تنحو غالبًا نحو الخوف ثم السكوت على الظلم؛ ومثل الحسين لا يسكت عن ظلم؛ ومثله لا يبابع مثل يزيد؛ والموت بعزة خير من الحياة بذلة؛ كما قال سيد الشهداء.

بين الأريحية والنرجسية

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه سيد الشهداء الحسين بن علي: “إن الصراع في ذاك الوقت كان بين الأريحية والنرجسية؛ أريحية الحسين ونرجسية يزيد”؛ وفارق كبير بينهم؛ حيث يمثل صراع الخير والشر على مدى عصور التاريخ.

ولذا قال الإمام علي (ع) في خطابه لأبي ذر الغفاري عندما نفاه الخليفة عثمان بن عفان إلى صحراء الربذة؛ قال ضمن ما قال كما جاء في كتاب (نهج البلاغة): “ولا تستوحش طريق الحق لقلة سالكيه فإن أهل الحق قليل”؛ والقرآن العظيم كثيرًا ما ينص بأن أكثر الناس لا يؤمنون ولا يعقلون ولا يفقهون، وأن أكثر الناس للحق كارهون.

كما أن النبي (ص) اشتكى إلى الله، من هجر المسلمين للقرآن العظيم، كما قال تعالى في سورة الفرقان، الآية 30: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾؛ وعادة ما يكون أهل الحق قلة قليلة؛ وسيد الشهداء من قادة هذه القلة المؤمنة على مرور الزمن.

ومن ضمن أريحية سيد الشهداء أنه لم يستمع ولم يوافق على نصيحة البعض من كبار صحابة النبي أن يعتصم ويلوذ بالبيت الحرام؛ لأنه يعلم أن الجيش الأموي لا يتورع أن يسفك الدم الحرام في البيت الحرام؛ وهو لا يقبل به الإمام الحسين (ع)؛ وحدث ما توقع؛ فقد هدم الجيش الأموي الكعبة المشرفة، وقُتل وصُلب فيها فيما بعد عبد الله بن الزبير؛ ولكن الإمام الحسين كان أبعد نظرًا؛ فقد رفض أن تستباح الكعبة بسببه.

دوافع وأسباب الخروج الحسيني

إن خروج الإمام الحسين (ع) يمثل حالة ثورية على المستوى الإنساني بوجه عام؛ وما كان خروج الحسين  اندفاعًا؛ ولم يكن عشوائيًّا؛ وكان له مبرراته وأسبابه الدينية والسياسية.

إن دوافع الإمام على المستوى الديني؛ نستطيع القول: إنه لولا خروج الإمام الحسين؛ لانطمس دين الإسلام في معظم الأركان الفقهية والشرعية.

ونذكر هنا خطبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) قال فيها ضمن ما قال: “أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (ع)، فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (ص)… ونزعت نساء تحت رجال بغير حق، فرددتهن إلى أزواجهن، واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأرحام… وسويت بين المناكح؛ وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عز وجل فرضه..، ورددت الوضوء، والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم”… إلى آخر ما قاله أمير المؤمنين؛ أي إن الإمام علي شرح، والإمام الحسين خرج لمنع التزييف الكامل وطمس هوية الأمة وفكر الأئمة؛ ومنع تحريف الدين.

وعلى المستوى السياسي فكان هو الأخطر على الأمة بأسرها؛ فبعد وفاة معاوية سنة 60هـ، بايع الناس ورقابهم تحت السيوف لابنه يزيد؛ يزيد الذي كان معروفًا بفسقه؛ ويشرب الخمر؛ ويقتل النفس، ثم استخفافه بالشعائر الإسلامية كلها.

ورأى الإمام الحسين أن البيعة ليزيد تعني شرعنة الفساد باسم الإسلام؛ فقال وهو خارج من مكة المكرمة: “إني والله لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا رئاء ولا مفسدًا ولا ظالمًا، ؛ ولا طالب ملك؛ وإنما خرجت لأطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”. هذا هو من الأسباب المهمة في خروجه (ع).

لقد قام النظام الأموي بتحويل الخلافة من شورى إلى ملك وراثي؛ معاوية نصب ابنه الفاسق خليفة للأمة؛ والحسين رأى منكرات علنية؛ بل وتعطيل الحدود، والاستئثار ببيت المال، وقتل المعارضين، وإحياء سنن الجاهلية. فسأل الإمام نفسه، لو أنا ابن بنت رسول الله وسكت عن الظلم، فمن يتكلم؟

لأن السكوت هنا يعني مشاركة في الإثم؛ فالخروج صار واجبًا شرعيًّا عنده؛ فكان شعار الخروج في الدعوة الحسينية، لا لتحريف الدين، لا للسكوت عن الظلم.

وعلى المستوى الأخلاقي أن الإمام (ع)، كان يدرك جيدًا أن اثنين وسبعين رجلًا لن يهزموا جيش دولة غُيبت عقول جنودها؛ واعتقد هؤلاء الجنود أن طاعة الخليفة من شروط الإيمان؛ فخرج الإمام ليؤسس لمعنى جديد؛ وهي الشرعية السياسية والدينية لا تُنال بالسيف؛ وأن الموقف الأخلاقي أقوى من المنتصر عسكريًّا.

وتجلى ذلك الموقف الأخلاقي الإنساني للإمام بعد علمه بمقتل مسلم بن عقيل؛ عندما طلب من أبنائه الانسحاب ولكنهم رفضوا بإصرار المؤمنين؛ بل إن الإمام سلام الله تعالى عليه، طلب ليلة عاشوراء من أصحابه القليلين أن يتخذوا من الليل جملًا أو ستاًرا والنجاة بأنفسهم؛ لأن القوم يريدون نفسه الشريفة بالأخص؛ وبالطبع رفض الأصحاب واستشهدوا بين يديه.

عدم خيانة الوسيلة

إن قمة الإحساس بنزاهة الثورة الحسينية؛ أن الإمام لم يتأمر ولم يخن الوسيلة؛ عندما رفض البيعة؛ ولم يخرج متخفيًّا؛ بل خرج جهارًا نهارًا أمام حجاج بيت الله الحرام يوم التروية يوم الثامن من ذي الحجة وهم حجاج بالآلاف من كافة البلدان، وسار الإمام متمهّلًا متروّيًا، وانتهى الحجاج من شعيرة الحج وعادوا إلى بلادهم؛ بدون أن يلحقوا به، أو حتى يسألوا عن مصير أهل بيت النبي (ص).

 ولم يحاول أحد منهم أن يلحق به؛ رغم أنهم يعلمون أن الحكم اليزيدي الفاسق لن يتورع عن قتل الحسين؛ أي إن الحجاج المسلمين شاركوا بسلبيتهم وضعفهم؛ ضمنًا في استشهاد الإمام، وتركوا لأهل الكوفة عار عدم نصرة الحسين.

مع العلم أن ندم أهل الكوفة كان ندمًا إيجابيًّا؛ عندما أشعلوها ثورات بعد ثورات؛ من أول حركة التوابين الثورية؛ وصارت الثورة الحسينية ملهمة لكل الثورات في تاريخ المسلمين؛ عندما انتصر الدم على السيف…

وما نعيشه اليوم من انتصار المقاومة الإسلامية على قوى الاستكبار العالمي والصهيونية؛ لهو قبس وإلهام من الشعار الحسيني الخالد؛ (الموت بعزة خير من الحياة بذلة)…

سلام الله على الغمام الحسين يوم وُلد ويوم خرج ويوم استشهد…


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.