الثورة من أكثر الكلمات حضورًا في تاريخ الإنسان، وأشدّها التباسًا في آنٍ واحد. رافقت الشعوب في لحظات تحوّلها الكبرى، وتردّدت على ألسنة الثائرين والمصلحين والفلاسفة والساسة على السواء. ومع كثرة ما قيل فيها، يبقى سؤالها الأوّل قائمًا يطلب الجواب: ما الثورة؟ وأين يقع حدُّها من الانقلاب والإصلاح والتمرّد؟

صاغ العصر الحديث للثورة مفهومًا خاصًّا، ربطها فيه بتغيير السلطة، وصراع الطبقات، والبنى الماديّة للمجتمع. أعطى هذا المفهوم الثورةَ صورةً سياسيّة واقتصاديّة، وترك وراءه أسئلةً معلّقةً عن روحها وغايتها ومصيرها: لماذا تشيخ الثورات وتذبل؟ وما الذي يصلها بالإنسان في عمقه، بمعناه وقيمه ومصيره؟ أسئلةٌ يقصر عنها المفهوم الماديّ وحده.

تتعدّد صور الثورة في التجربة الإنسانيّة: ثوراتٌ سياسيّة تُسقط حكمًا وتُقيم آخر، وثوراتٌ اجتماعيّة تُبدّل بنية المجتمع، وثوراتٌ فكريّة تُغيّر نظر الإنسان إلى نفسه والعالم. وبين هذه الصور يبقى المشترك غامضًا: ما الذي يجعل حركةً ثورةً بحقّ، وما الذي يميّزها من مجرّد اضطرابٍ عابرٍ أو انقلابٍ في القمّة؟ السؤال قديمٌ، والإجابات عنه صاغت مدارس بأكملها في الفكر السياسيّ الحديث.

ونظرت كثيرٌ من هذه المدارس إلى الثورة من زاوية واحدة، فاختزلتها في تبدّل موازين القوّة، أو في حتميّة ماديّة تحكم حركة التاريخ. تركت هذه النظرة الإنسانَ في هامش الثورة، وأغفلت بُعده المعنويّ والقيميّ والأخلاقيّ. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيرٍ يعيد الإنسان إلى قلب الثورة، ويصلها بمعناه وغايته، ويجيب عن سؤالٍ يقصر عنه المفهوم السائد: ما الثورة في حقيقتها؟ وإلى أين تسير؟

يحتاج فهم الثورة نظرًا فلسفيًّا يتقدّم على الحدث، ويسائل المفهوم قبل الوقائع. النظر الفلسفيّ في الثورة يطلب حقيقتها ومبانيها ومنطقها وغايتها، ويصلها بتصوّرٍ للإنسان والتاريخ. في هذا الأفق يقف تنظير الإمام الخامنئيّ (قده) موقفًا له خصوصيّته: يقرأ الثورة تحوّلًا شاملًا في الإنسان والقيم، ويصلها بجذرٍ أعمق من السياسة، ويجعلها خطابًا للإنسانيّة كلّها لا حدثًا في بلدٍ بعينه.

تتقدّم هذه الصفحات لتفتح الأفق الذي تُقرأ فيه الثورة فلسفةً. تبدأ من الثورة مفهومًا إنسانيًّا عامًّا كما تبلور في التجربة والفكر الحديث، ثمّ تدخل إلى تنظيرٍ يرقى بها من الحدث المحلّيّ إلى فلسفةٍ كونيّة تخاطب الإنسان أينما كان. تسير في ذلك على نسقٍ يتدرّج من حقيقة الثورة إلى مبانيها، ثمّ إلى منطق حياتها واستمرارها، فإلى غايتها ورسالتها الإنسانيّة، فإلى أصلها الكربلائيّ وتطبيقه في التجربة المعاصرة. الغاية إثارة القضايا وترتيبها، وتهيئة الذهن لِما يأتي بعدُ من تفصيل. وحُسن السؤال نصف الطريق إلى حُسن الجواب.

أوّلًا: الثّورة مفهوم إنساني – من التجربة إلى التنظير الحديث

تحمل كلمة “الثورة” في أصلها معنى الدوران والعَود، واستعارها الفلك القديم لحركة الأجرام في مداراتها. ثمّ تحوّل معناها في العصر الحديث، فدلّت على التغيير الجذريّ والبداية الجديدة في حياة الاجتماع، واستقرّ تصوّرٌ يجعل جوهرها في “الابتداء” وتأسيس نظامٍ جديدٍ للحرّيّة. فالثورة حدثٌ يقطع مع الماضي ويفتتح زمنًا سياسيًّا جديدًا[3]، وصارت الثورة الفرنسيّة نموذجَه الأمثل: قطيعةً كبرى تعيد صياغة الدولة والمجتمع، تحمل الوعدَ بالحرّيّة وخوفَ الارتداد معًا.

ويتّصل بهذا المفهوم سؤال الحدود: الانقلاب تبديلٌ في رأس السلطة يُبقي البنية على حالها، والإصلاح تعديلٌ بطيءٌ ضمن النظام القائم، والتمرّد رفضٌ قد يخلو من مشروع، أمّا الثورة فتحمل مشروعًا لتغيير البنية والقيم معًا. بهذا تتّسع الثورة على الحدث السياسيّ، وتطلب رؤية تصل تبدّل السلطة بتبدّل الإنسان.

وقام في مقابل هذا التصوّر فهمٌ ماديّ جعل الثورة نتاجًا لصراع القوى الاجتماعيّة وتبدّل البنية الاقتصاديّة، وقرأ التاريخَ تعاقبًا في أنماط الإنتاج؛ فالثورة لحظةُ انفجارٍ تتقدّم فيها طبقةٌ صاعدة على أخرى آفلة[4]. جعل هذا الفهمُ العاملَ الاقتصاديّ محرّكها الأعمق، والقيمَ انعكاسًا له.

ونظرت مدرسةٌ ثالثة إلى الثورة نظر الطبيب إلى الجسد، فتتبّعت “تشريحها” وأطوارها: الحمّى الأولى، فصعود المتشدّدين، فمرحلة الاعتدال والارتداد. ولاحظت أنّ كثيرًا من الثورات ينقلب على مبادئه أو يعود إلى استبدادٍ جديد[5]. كشف هذا النظر أنّ للثورات عمرًا وحياةً وموتًا، وترك سؤالها الأعمق معلّقًا.

تشترك هذه التصوّرات في قراءة الثورة من زاوية السلطة والاقتصاد والعنف، فتُضيء بُعدها السياسيّ التأسيسيّ وجذرها الاجتماعيّ وأطوارها التاريخيّة، وتُبقي الإنسانَ في هامشها أداةً في صراع القوى أو نتيجةً لحركة البنى. يقصر بها هذا الاختزال عن الإحاطة بروح الثورة وغايتها القصوى: إلى أيّ إنسانٍ تسير، وأيّ عالمٍ تريد أن تبني؟ الثورة التي تخلو من غايّة تعلو على إسقاط القائم تدور في حلقةٍ مفرغة يُستبدل فيها ظالمٌ بظالم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيرٍ يعيد الإنسان إلى قلب الثورة، ويصلها بمعناه وقيمه ومصيره، ويرقى بها من الحدث المحلّيّ إلى المعنى الإنسانيّ العامّ؛ وهو ما نلتمسه في فكر الإمام الخامنئيّ (قده).

ثانيًا: الثورة عند الإمام الخامنئيّ – المفهوم والمباني

يبدأ تصوّر الإمام الخامنئيّ (قده) للثورة من المعنى لا الحدث. الثورة عنده “التحوّل الشامل في مجموعةٍ بشريّة”، لا الأحداث التي وقعت في بدايتها؛ فتلك جزءٌ صغيرٌ منها[6]. تحوّلٌ عميقٌ في الفكر والعمل والقيم يمتدّ في عمر الأمّة، فتصير الثورة حقيقةً ممتدّة لا واقعةً محدودةً في الزمان. بهذا يفارق تصوّرُه المفهومَ الماديّ في جذره: جذرٌ معنويٌّ إنسانيّ لا ماديّ.

يصل الخامنئيّ (قده) الثورةَ بجذرٍ أعمق من السياسة، هو حركة الأنبياء. فعندما يُبعث الرسول “يُحدث ثورةً ويوجد حركةً ثوريّة في المجتمع” تشمل الفكر والعمل والقيم، وهذا معنى حركة الدين وثورته[7]. ثورة الأنبياء عنده تغييرٌ لأذهان الناس ونظرتهم إلى الوجود قبل نظام الحكم، ويقرّر أنّ الثورة المعاصرة تجديدٌ لمضمون البعثة النبويّة وإظهارٌ لنهجها في هذا العصر[8]. بهذا الوصل تصير الثورة خطًّا واحدًا في تاريخ البشريّة، تتجدّد صوره وتبقى روحه.

تقوم الثورة عنده على مبانٍ تجعلها حقيقةً إنسانيّة عامّة، أوّلها انسجامها مع الفطرة؛ فأهدافها “منسجمةٌ مع فطرة الجماهير”، ولذلك احتضنتها القلوب، إذ يتحدّث صاحبها بلسان الفطرة فيلتقي مع ما أودعه الله في الإنسان من نزوعٍ إلى الحقّ والعدل[9]. والثورة التي تنطق بلسان الفطرة تخاطب الإنسان في أصله المشترك، فتتجاوز حدود القوم واللغة.

وثانيها منظومةُ القيم. الثورة عنده مزيجٌ من الدعوة إلى العدالة والحرّيّة والاستقلال وحاكميّة الشعب، مع المعنويّة والأخلاق غاية لها، قائمةٌ على أصولٍ صلبةٍ لا صلة لها بالاشتراكيّة الشرقيّة ولا بالليبراليّة الغربيّة[10]. ويراها “اقتراحًا جديدًا، وكلمةً وفكرةً حديثةً لحياة البشر”، في مقابل عالمٍ أسيرٍ للقوى الكبرى[11]، فتقدّم للإنسانيّة بديلًا في معنى الحياة، وتصير خطابًا حضاريًّا مستقلًّا يتجاوز قسمة المعسكرين الماديّين.

وثالثها البعد الإلهيّ. الثورة عنده “ثورةٌ لله”، ومن هذا السنخ كان العمل فيها، ولذلك خلدت واستمرّت وأحرزت ثباتًا واقتدارًا معنويًّا[12]. الجذر الإلهيّ يمنحها دوامها ومعناها، ويصلها بغاية تعلو على المكسب العاجل، ويؤكّد أنّ لها “مبانيَ نظريّة” ينبغي التعرّف إليها بعمق، فمن دخل ميدانها حماسةً من غير حجّةٍ نظريّة متينة سقط في العاصفة وغيّر مساره[13]؛ فهي فكرةٌ قبل أن تكون حركة.

تلتقي هذه المباني عند هدفٍ واحد: صناعة الإنسان الحرّ الكريم المتعالي على المادّة، عبدًا لله وحده؛ فالثورة حركةٌ في النفس قبل أن تكون حركةً في المجتمع. ولأنّ الفطرة مشتركةٌ والقيمَ جامعةٌ والبعدَ الإلهيّ يصل الإنسان بأصله، اكتسبت الثورة أفقها الكونيّ: خطابًا يبلغ كلَّ من يطلب العدل ويكره الظلم، ثمّ يقوم على هذا المفهوم منطقُ الثورة في حياتها.

ثالثًا: منطق الثورة – الحياة والاستمرار والذبول

يقرأ الخامنئيّ (قده) الثورة قراءةً حيّة، فيراها “كائنًا حيًّا له ولادته ونموّه وقوامه”، وله “أمراضه وموته ونهايته” في حالٍ أخرى[14]. تنقل هذه الاستعارة النظرَ من الحدث الجامد إلى الظاهرة النامية، فتصير الثورة ذات عمرٍ وطورٍ وصحّةٍ ومرض، يحكمها منطقُ حياةٍ لا منطقُ حادثةٍ عابرة.

والثورة “حقيقةٌ مستمرّة” لا حدثٌ حصل دفعةً واحدة؛ فالتحوّل العميق لا يتحقّق في سنةٍ أو خمس، والصيرورة لا تقف عند حدّ[15]. الثورة التي تظنّ نفسها قد انتهت تفقد معناها، لأنّ جوهرها الحركة الدائمة؛ فالاستمرار وصفٌ ذاتيٌّ لها لا طارئٌ عليها.

ويميّز فيها بين ثابتٍ ومتغيّر: المُثُل العليا والأهداف الكبرى ثابتةٌ، والوسائل والأساليب متجدّدةٌ تتبدّل بالظروف[16]، فهي “في تجدّدٍ وتحوّلٍ دائم” تحافظ على أصولها وتجدّد أدواتها. وهي “تحوّلٌ تدريجيّ” لا حدثٌ دفعيّ[17]، تحتاج إلى الزمن لترسّخ دعائمها. وإدراكُ هذا التدرّج يحفظ من استعجال النتائج والحكم عليها بالفشل عند أوّل عقبة.

ويقف عند ذبول الثورات، فيضرب المثل بالثورة الفرنسيّة وثورة أكتوبر: ثورتان كبيرتان لم تبقيا حيّتين، فتحوّلتا إلى ديكتاتوريّتَين قاسيتَين أو عادتا إلى ما قبلهما[18]. الثورة تموت حين تنفصل عن مبادئها أو تجمد فتفقد حيويّتها، وتشخيصُ الموت شرطٌ في حفظ الحياة.

ويجعل حفظها في التمسّك بالأصول مع رفض الجمود، فيقرّر “أصوليّة” على غير تحجّرٍ ولا تزمّت، ويرفض البدع ودعوات إعادة النظر بذريعة الاجتهاد[19]. الثورة تحيا بين خطرين: جمودٍ يقتل حركتها، وانفلاتٍ يذيب هويّتها، و”الركود والسكون والصمت يبعث على الجمود”[20]. ويصفها بأنّها “ظاهرةٌ حيّة وذاتُ إرادة”، “مرنةٌ ومستعدّةٌ لتصحيح أخطائها”، تبدي حساسيّة إيجابيّة حيال النقد وتثبت على قيمها[21]. بهذا ينتظم منطقٌ عامٌّ لحياة الثورة: كائنٌ حيّ يثبت في مبدئه ويتجدّد في أدائه، ويموت حين يجمد أو ينفصل عن أصله، وعليه يقوم السؤال عن غايتها.

رابعًا: غاية الثورة ونداؤها الإنسانيّ العالميّ

يبقى السؤال عن غاية الثورة: إلى أين تسير؟ وأيّ عالمٍ تريد أن تبني؟ عند الخامنئيّ (قده) لها غاية تتجاوز إسقاط القائم إلى إقامة العدل وكرامة الإنسان. الثورة الخالية من غاية عليا تدور في حلقةٍ مفرغة، والحاملةُ لغاية إنسانيّة تجد صداها في كلّ إنسان.

يلخّص منطقَها في نداءٍ واحد: “لا تَظلِمون ولا تُظلَمون”. نداؤها عنده “مواجهة نظام الهيمنة والتسلّط”، وهو نظامُ تقسيم الدنيا إلى ظالمٍ ومظلوم[22]. ويرى أنّ هذا النداء يلقى قبولًا على امتداد البشريّة، فمن ذا الذي يأبى ألّا يَظلِم وألّا يُظلَم؟ نداءٌ يخاطب الفطرة في رفضها الظلم، فيتجاوز الحدود والألسنة.

وخطابها “ينادي بالعدالة والحرّيّة للبشر”، ويدعم إسقاط نظام الهيمنة حتى لا يبقى تيّارٌ متسلّطٌ وآخرُ خاضع[23]. ويصفها بأنّها “نهضةٌ إنسانيّة كبرى” و”صرخةُ العدالة، ونداءُ كرامة الإنسان في هذا العالم الطافح بالظلم”[24]. الرسالة هنا إنسانيّة عامّة، تضع الثورة في مواجهة الظلم العالميّ، وتعيد الاعتبار للإنسان غاية لا أداة.

وتتّجه إلى الدفاع عن المظلومين والمحرومين، فرسالةُ الإسلام “رسالةُ الدفاع عن المظلومين”[25]، فتنحاز إلى المستضعفين أينما كانوا لا إلى مشروعٍ قوميٍّ مغلق. وتمتدّ غايتها من رفع الظلم إلى بناءٍ حضاريّ يصل القوّة بالقيمة والتقدّم بالمعنى[26]، فتكون مقدّمةً لبناءٍ لا هدمًا يقف عند إسقاط القائم.

ويراها مقدّمةً لحركةٍ أوسع: فالثورات التي قامت في البلدان الإسلاميّة ضدّ الدكتاتوريّات العميلة مقدّمةٌ “للثورة على الدكتاتوريّة العالميّة” وشبكة الاستكبار[27]، فتتّسع من المحلّيّ إلى مواجهة نظام الهيمنة الدوليّ. وعالميّتُها عالميّة الفكرة والنداء لا الفرض والإكراه، تنتشر بقوّة معناها حين تخاطب في الإنسان فطرته. بهذا ترقى الثورة من حدثٍ في التاريخ إلى رسالةٍ كونيّة تبلغ كلَّ من ينشد العدل، وتكتمل معالمُها: مفهومٌ ومبانٍ ومنطقٌ وغايّة، ويبقى أن نراها في تطبيقها حيث يلتقي أصلها الكربلائيّ بالتجربة المعاصرة.

خامسًا: كربلاء أصل والثورة الإسلاميّة تطبيق

تبلغ فلسفةُ الثورة عند الإمام الخامنئيّ (قده) تمامها حين تتّصل بأصلها الأوّل: كربلاء. عاشوراء عنده “يوم الثورة الحسينيّة”، وما تلاها من حركة السيّدة زينب (ع)، والإمام السجّاد (ع) امتدادٌ لها[28]. كربلاء في نظره النموذجُ الأتمّ للثورة، تجتمع فيه المعاني التي قرّرها في مفهومها ومبانيها ومنطقها وغايتها، فتصير ميزانًا تُقاس به كلّ ثورةٍ بعدها.

ثورة الحسين (ع) عنده “لتأدية واجبٍ عظيم” هو “إعادةُ الإسلام والمجتمع الإسلاميّ إلى الخطّ الصحيح، والثورةُ على الانحرافات… بصرف النظر عن النتيجة”[29]. فيها يتجلّى المفهوم تحوّلًا ومواجهةَ انحراف، والمنطق أداءَ التكليف بصرف النظر عن الغلبة. ويقرّر أنّ معرفة الحسين تقوم على “تبييناته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر”، ومعركةُ عاشوراء جانبٌ من جهاده[30]، فالثورة الحسينيّة مشروعٌ تبيينيّ قبل أن تكون قتالًا.

وكربلاء عنده ثورةٌ مستمرّة، جعلت أتباع أهل البيت (ع) “حملةَ راية مقارعة الظلم” على مرّ التاريخ[31]. من هذا الأصل تنبع فكرةُ الثورة الدائمة والصراعِ المتّصل بين الحقّ والباطل، ويتبلور شعار “كلّ يومٍ عاشوراء وكلّ أرضٍ كربلاء” تعبيرًا عن ديمومة المواجهة في كلّ زمانٍ ومكان.

من هذا الأصل يقرأ التجربةَ المعاصرة تطبيقًا، ويستحضر مؤسّسها الإمام الخميني (قده). فالثورة الإسلاميّة “تجديدٌ لمضمون البعثة النبويّة”، وقد هيّأ الله له أن يُبرز “نهج البعثة المستمرّ” بعد خفوته[32]. ويصل ثورته بكربلاء وصلًا صريحًا، فيرى أنّ العمل الذي جرى في زمن الحسين (ع) كانت نسخته المصغّرة في عصر الإمام الخميني، فهو الذي أحيا خطّ الأنبياء والحسين في القرن الحديث.

وقد انطلقت الثورة في أجواء المحرم، ومن مجالس عزاء الحسين (ع)، يصل الخامنئيّ (قده) شرارتها بسلسلة الأربعينيّات: الدماء التي أُريقت في قمّ، والأربعينيّات التي جرّت الناس إلى الميدان حتى يوم الانتصار[33]. وكان علماء الدين في مقدّمتها، يبثّون وعي الثورة من على المنابر، فيُطلق الشعار في طهران يوم عاشوراء فيتردّد في اللحظة نفسها في أصغر القرى[34]، فالتقى الدينُ بالسياسة على نهج كربلاء.

ويرى في التجربة “أنموذجًا ممّا شوهد في واقعة عاشوراء الكبرى” تجلّى في زمن الدفاع المقدّس، ويشاهد “استمراريّته وبركاته”[35]، ويجعل الأربعين “استمرارًا للثورة”[36]. ويرفع هذا الأصلُ الثورةَ فوق حدود المذهب والقوم، فمنطق كربلاء -رفضُ الظلم ونصرةُ الحقّ- لغةٌ جامعة. ويرى في مسيرة الأربعينيّة الكبرى، التي يقصدها الناس من عشرات البلدان، عرضًا للحضارة الإسلاميّة وتعزيزًا للأواصر بين الشعوب[37]. بهذا تكتمل الحلقة: كربلاء أصلًا ونموذجًا، والإمام الخميني (قده) مطبِّقًا، وكربلاء تبقى الميزانَ الذي تُقاس به الثورة.

تلتقي خيوط هذه الصفحات في فكرةٍ واحدة: أنّ في فكر الإمام الخامنئيّ (قده) تنظيرًا للثورة يرقى إلى فلسفةٍ كونيّة. بدأنا من الثورة مفهومًا إنسانيًّا عامًّا كما صاغه الفكر الحديث، فتبيّن قصورُ المفهوم الماديّ عن الإحاطة بروحها. ثمّ دخلنا إلى تصوّره: الثورة تحوّلًا شاملًا لا انقلابَ سلطة، جذرُها ثورة الأنبياء، ومبناها الفطرةُ والقيمُ والبعد الإلهيّ. فمنطقُها في الحياة والاستمرار والذبول، فغايتُها ونداؤها الإنسانيّ، فأصلُها الكربلائيّ وتطبيقُه في التجربة المعاصرة.

يقدّم هذا التنظير فلسفةً في الثورة تتجاوز الحدث المحلّيّ إلى المعنى الإنسانيّ. الثورة عنده حركةٌ في الإنسان قبل أن تكون حركةً في السلطة، ونداؤها “لا تَظلِمون ولا تُظلَمون” يخاطب الفطرة في كلّ إنسان[38]. بهذا تصير الثورة رسالةً كونيّة، تخاطب الناسَ حيث نشدوا العدل ورفضوا الظلم، في كلّ زمانٍ ومكان.

تبقى كربلاء في هذا التنظير الأصلَ والميزان. منها يستمدّ الخامنئيّ (قده) معنى الثورة ومنطقها وغايتها، وبها يقيس صدقها ودوامها. والتجربة المعاصرة، باستحضار مؤسّسها الإمام الخميني (قده)، تحضر تطبيقًا لهذا الأصل[39]، لا موضوعًا للتنظير. الرابط الكربلائيّ يصل النظريّة بالتحقّق، ويشهد أنّ فلسفة الثورة عنده قابلةٌ للحياة.

تفتح هذه المعالم أسئلةً تستحقّ الجواب: ما حدود الثورة بوصفها مفهومًا؟ وما شروط بقائها وأسباب ذبولها؟ وكيف تصل الغاية الإنسانيّة بالتطبيق التاريخيّ؟ وما موقع كربلاء في بناء نظريّة عامّة للثورة؟ هذه الأسئلة يثيرها تنظير الخامنئيّ (قده)، وتتقدّم دراسات هذا العدد إلى تفصيل القول فيها، كلٌّ من زاويته.

ما قدّمناه في هذه الصفحات إثارةٌ للقضايا وترتيبٌ لها، وتمهيدٌ لِما يأتي مفصّلًا في متن العدد. الأبحاث تتقدّم في هذه المسائل، وتبني بعضها على بعضٍ في وحدةٍ ينتظمها موضوعٌ واحد. وحُسن السؤال نصف الطريق إلى حُسن الجواب.

يكتسب هذا التنظير قيمته من موقعه بين المفهوم الحديث للثورة وأصلها الدينيّ. يأخذ من التجربة الإنسانيّة سؤالها عن الثورة، ويجيب عنه بردّ الإنسان إلى قلبها، والمعنى إلى حركتها. فحيث اختزل الفكر الحديث الثورةَ في موازين القوّة، يعيد الخامنئيّ (قده) إليها بُعدها المعنويّ والأخلاقيّ، ويصلها بغاية تعلو على المكسب العاجل. بهذا يقدّم إسهامًا في التفكير بالثورة، يتجاوز قسمة المعسكرين الماديّين.

ويجمع هذا التنظير بين الأصالة والكونيّة في آنٍ. أصالتُه في جذره الكربلائيّ الذي يمنحه عمقًا وامتدادًا في التاريخ، وكونيّتُه في ندائه الإنسانيّ الذي يخاطب المستضعَفين في كلّ أرض. الخصوصيّة هنا تفتح الأفق، إذ منطق كربلاء -نصرةُ المظلوم ورفضُ الظلم- قيمةٌ يشترك فيها البشر جميعًا. من هذا الجمع بين الأصل والأفق تستمدّ فلسفة الثورة عنده قوّتها وقدرتها على مخاطبة الناس في كلّ زمانٍ ومكان.

يبقى القول إنّ فلسفة الثورة عند الإمام الخامنئيّ (قده) حقلٌ خصبٌ يستحقّ العناية. مادّتها منثورةٌ في خطبه ودروسه وكلماته، تنتظر من يجمعها وينظّمها ويؤصّلها. وهذا العدد خطوةٌ في هذا الطريق، يفتح البابَ ويضع اللبنة الأولى، ويدعو الباحثين إلى المضيّ في قراءة فلسفة الثورة، تصل الأصل الكربلائيّ بالأفق الإنسانيّ العالميّ.

رحم الله شهيدنا القائد الخامنئي وباقي شهداء الأمة الذين سقطوا في مواجهة طواغيت الأرض.

والحمد لله أولًا وآخرًا

 

المصادر والمراجع

  1. علي الحسيني الخامنئي: تفسير سورة المجادلة.
  2. علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ (مجموعة الخطب السنويّة)، مركز المعارف للتأليف والتحقيق، بيروت، الأعوام 2009 و2010 و2012 و2013 و2015 و2016 و2017 و2018 و2019.
  3. علي الحسيني الخامنئي: نداء القائد.
  4. حنّة أرندت: في الثورة، ترجمة: عطا عبد الوهاب، مراجعة: رامز بورسلان، المنظمة العربيّة للترجمة، ط1، بيروت، 2008.
  5. كارل ماركس وفريدريك إنجلز: بيان الحزب الشيوعي.
  6. كرين برينتن: تشريح الثورة، ترجمة: سمير الجلبي، مراجعة: غازي برو، دار الفارابي، ط1، بيروت، 2009.
  7. علي الحسيني الخامنئي: كلمة متلفزة مع مسؤولي وزارة التربية والتعليم، 1‏/9‏/2020.
  8. علي الحسيني الخامنئي: كلمة بمناسبة عيد المبعث النبويّ الشريف، 11‏/3‏/2021.
  9. علي الحسيني الخامنئي: كلمة في لقاء قادة وضبّاط القوّة الجويّة وقوّات الدفاع الجوّي، 8/2/2023.
  10. علي الحسيني الخامنئي: كلمة في مراسم ذكرى شهادة الإمام الرضا (ع)، 25/8/2025.

[1] هذه المقالة هي افتتاحية العدد الثالث عشر (خريف 2026) من مجلة أمم للدراسات الإنسانية والاجتماعية.

[2] مفكر لبناني، مدير مركز براثا للدراسات والبحوث، ورئيس تحرير مجلة أمم للدراسات الإنسانية والاجتماعية التي تصدر عن المركز.

[3]انظر: حنّة أرندت: في الثورة، ص٥٧.

[4]انظر: كارل ماركس وفريدريك إنجلز: بيان الحزب الشيوعي، ص٣.

[5]انظر: كرين برينتن: تشريح الثورة، ص٣٩.

[6]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٥، ص٥٣٧.

[7]علي الحسيني الخامنئي: تفسير سورة المجادلة، ص٣٩.

[8]علي الحسيني الخامنئي: كلمة بمناسبة عيد المبعث النبويّ الشريف، ١١‏/٣‏/٢٠٢١.

[9]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٠، ص٤٧.

[10]علي الحسيني الخامنئي: نداء القائد، ص٢٩.

[11]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٧، ص٥٦٨.

[12]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٠، ص٤٠.

[13]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٣، ص٢٧٩.

[14]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٨.

[15]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٥، ص٥٤٢.

[16]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٥، ص٥٤٣.

[17]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٦، ص٩٤.

[18]علي الحسيني الخامنئي: كلمة في لقاء قادة وضبّاط القوّة الجويّة وقوّات الدفاع الجوّي، ٨‏/٢‏/٢٠٢٣.

[19]علي الحسيني الخامنئي: نداء القائد، ص٣٢.

[20]علي الحسيني الخامنئي: نداء القائد، ص٢٦.

[21]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٩، ص٥٤.

[22]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٣، ص٥٣٣.

[23]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٥، ص٢٥٢.

[24]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠٠٩، ص٩٠.

[25]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٨.

[26]علي الحسيني الخامنئي: نداء القائد، ص٢٩.

[27]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٢، ص٣٩.

[28]علي الحسيني الخامنئي: كلمة متلفزة مع مسؤولي وزارة التربية والتعليم، ١‏/٩‏/٢٠٢٠.

[29]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٢، ص٦.

[30]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠٠٩، ص٣٥١.

[31]علي الحسيني الخامنئي: كلمة في مراسم ذكرى شهادة الإمام الرضا (عليه السلام)، ٢٥‏/٨‏/٢٠٢٥.

[32]علي الحسيني الخامنئي: كلمة بمناسبة عيد المبعث النبويّ الشريف، ١١‏/٣‏/٢٠٢١.

[33]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٢، ص١١.

[34]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٢، ص٤٤٤.

[35]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٢، ص٥٩٤.

[36]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠٠٩، ص٣٣.

[37]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٩، ص٥٠٩.

[38]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٣، ص٥٣٣.

[39]علي الحسيني الخامنئي: خطاب الوليّ ٢٠١٢، ص٥٩٤.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.