دراسة موضوعية في الموازين القرآنية للعدل والتكليف والكرامة

إنَّ من أعمق الإشكاليات التي تثيرها قضية الحجاب في الواقع المعاصر أن يتحوّل ما تتبنّاه المرأة من التزام ديني إلى معيارٍ يُحكم من خلاله على أهليتها للمعرفة، أو يُتَّخذ ذريعةً للحيلولة بينها وبين التعليم، أو يُجعل مظهرها الخارجي سببًا في حرمانها من حق تتصل به كرامتها الإنسانية ومسؤوليتها في عمارة الأرض، وهنا لا تعود المسألة محصورةً في حدود الزي، ولا في طبيعة الاختيارات الفردية للمرأة، بل تنفتح على سؤال قرآني أعمق: هل يجوز أن يتحول الاختلاف في المظهر أو الالتزام الديني إلى أساس للتمييز في استحقاق المعرفة، مع أن الخطاب القرآني يجعل العلم سبيلًا إلى البصيرة، ويؤسس العدل على صيانة الحقوق، ويحمّل الإنسان مسؤولية اختياره أمام الله؟ إنّ هذا السؤال يكشف عن ضرورة الانتقال من النظر إلى الحجاب بوصفه علامة ظاهرية منفصلةً عن منظومة القيم، إلى دراسته في سياق العلاقة بين التكليف الإلهي والكرامة الإنسانية والعدل الاجتماعي، ثم مساءلة الممارسات التي تجعل الالتزام الديني سببًا للإقصاء من المجال المعرفي.

وتنبع جدة هذا المدخل من أنه لا يكتفي بالدفاع عن الحجاب باعتباره شعيرة دينية، ولا يحصر القضية في المطالبة بالسماح للمرأة المحجبة بدخول المؤسسات التعليمية، بل يعيد بناء المسألة من داخل المنظومة القرآنية نفسها، عبر التمييز بين التكليف الذي ينظّم علاقة الإنسان بربه، والحق الذي يصون أهليته للمشاركة في الحياة، والسلطة التي قد تتجاوز حدودها حين تجعل اختلافه سببًا لحرمانه، وبهذا يصبح الإقصاء المعرفي موضع مساءلة قرآنية مستقلة، لأن حرمان المرأة من التعليم بسبب حجابها لا يمس مظهرها وحده، بل قد يمتد أثره إلى فرصتها في تحصيل العلم، وتنمية قدراتها، وأداء مسؤوليتها الاجتماعية، والإسهام في إنتاج المعرفة ونقلها، ومن ثم فإن البحث لا ينطلق من افتراض أن كل نزاع حول اللباس هو بالضرورة إقصاء، بل يختبر الممارسات التي يُستخدم فيها اللباس الديني ذريعة لمنع التعليم أو الانتقاص من الأهلية العلمية، ويزنها بموازين القرآن في العدل والكرامة والتكليف.

إن القرآن الكريم، حين يؤسس رؤيته للإنسان، لا يجعل قيمته رهينة مظهره الاجتماعي، ولا يحصر أهليته في الانتماء إلى فئة أو امتثاله لمعايير بشرية متغيرة، وإنما يرد الإنسان إلى أصل الخلق، ومسؤولية العمل، وقابلية التعلم، والاستعداد لحمل الأمانة، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾[1]. فالتكريم هنا منسوب إلى بني آدم بوصفهم جنسًا إنسانيًّا، لا إلى فئة مخصوصة منهم دون أخرى، ولا إلى أصحاب هيئة دون أصحاب هيئة، وهذا الأصل يؤسس لمعيار بالغ الأهمية في موضوع البحث: إن أي ممارسة اجتماعية أو مؤسسية تُقيّم أهلية الإنسان للانتفاع بالتعليم ينبغي أن تُفحص في ضوء ما إذا كانت تصون كرامته الإنسانية أم تجعل اختلافه الظاهر مدخلًا إلى الانتقاص منها.

ولا يعني الاستناد إلى آية التكريم أن القرآن يقرّر بنص مباشر تفاصيل جميع الحقوق التعليمية المعاصرة أو أحكام كل سياسة مؤسسية، بل يعني أن مبدأ الكرامة أصل معياري يُستضاء به عند تقويم الممارسات التي تمس الإنسان، فالتأصيل الموضوعي الرصين لا يحمّل الآيات ما لا تنص عليه، وإنما يستخرج من مجموع دلالاتها القواعد الكلية التي يمكن الاحتكام إليها في النوازل، ومن هنا تتكامل آية التكريم مع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[2].  فالاختلاف في الجنس والشعب والقبيلة لا يُنشئ مبررًا للتدابر أو الإلغاء، وإنما يندرج في أفق التعارف الذي يقتضي إمكان التواصل والتفاعل بين المختلفين، أمّا معيار الكرامة عند الله فهو التقوى، لا المظهر الذي تتخذه المؤسسات أو الجماعات معيارًا للقبول والرفض، وإذا كان القرآن قد ردّ التفاضل القيمي إلى معيار أخلاقي إلهي، فإن تحويل الحجاب إلى أداة للحكم على قدرة المرأة على التعلم أو استحقاقها له يثير سؤالًا جوهريًّا عن مشروعية نقل الاختلاف الظاهر من دائرة التعبير الديني إلى دائرة الحرمان المعرفي.

وتزداد دلالة هذا الأصل وضوحًا حين يُقرأ في ضوء طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا مسؤولًا عن اختياره لا موضوعًا للإكراه والإلغاء يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[3]. ويقول سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾[4]. ولا يصح اقتطاع هاتين الآيتين من سياقهما لتسوية جميع المسائل الفقهية أو القانونية تحت حكم واحد، غير أنهما تفتحان بابًا مهمًّا لفهم المسؤولية الدينية: فالإيمان والتكليف ليسا مجرد مظهر تفرضه سلطة بشرية، وإنما يرتبطان بالاختيار والمسؤولية والحساب، وبناءً على ذلك لا ينبغي الخلط بين مناقشة الأحكام الدينية أو تنظيم شؤون المؤسسات من جهة، وبين تحويل الاختلاف الديني إلى وسيلة لإقصاء الإنسان عن المعرفة من جهة أخرى، فالمسألة التي يعالجها هذا البحث ليست إلغاء كل تنظيم مؤسسي، بل مساءلة مشروعية التنظيم حين يتخذ من الالتزام الديني ذاته سببًا للحرمان، من دون أن يكون لذلك صلة ضرورية بأهلية المتعلمة أو كفاءتها العلمية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما في الخطاب العام: سلطة التكليف وسلطة الإقصاء، فالتكليف في المنظور القرآني يضع الإنسان أمام مسؤولية أخلاقية وشرعية تتصل بعلاقته بالله وبما يترتب على فعله من تبعات، أما الإقصاء فينشأ حين تتحول سلطة اجتماعية أو مؤسسية إلى قوة تحرم الإنسان من مجال مشروعٍ للمشاركة، لا بسبب عجز في قدرته أو قصور في تحصيله، بل بسبب اختلاف لا يمس جوهر أهليته، وبين الأمرين مسافة مفهومية لا يجوز طمسها: فليس كل ما يختاره الإنسان لنفسه سببًا لإعفائه من الأنظمة المشروعة، كما أن وجود نظامٍ مؤسسي لا يمنحه تلقائيًّا المشروعية الأخلاقية إذا انقلب إلى تمييزٍ غير عادل، ولذلك فإنّ تقويم منع الطالبات المحجبات من التعليم يستلزم فحص طبيعة المنع، وأساسه، وآثاره، ومدى تناسبه مع الغاية المعلنة منه، بدل الاكتفاء بالشعارات التي ترفعها السلطة أو بالشعارات التي يرفعها معارضوها.

وإذا كان التكليف الشرعي يُعبر عن مسؤولية الإنسان أمام الله، فإن هذه المسؤولية لا تنفصل عن أهليته للمعرفة، إذ لا يستقيم فهم الإنسان المكلّف بمعزل عن العقل الذي به يُدرك، والعلم الذي به يتبيّن، والبصيرة التي بها يميّز بين الحق والباطل، ومن اللافت أن أول ما افتتح به الوحي المحمدي خطابه للنبي (ص) هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[5].

 إنّ حضور القراءة والقلم والتعليم في مطلع الرسالة يمنح المعرفة موقعًا تأسيسيًّا في بناء الإنسان، ويجعل فعل التعلّم جزءًا من المسار الذي ينتقل به من الجهل إلى الإدراك، ومن محدودية التجربة إلى سعة البصيرة، وليس المقصود أن هذه الآيات نص تفصيلي في تنظيم التعليم المعاصر، بل إنها تكشف عن مركزية المعرفة في التصور القرآني، وعن الصلة بين العلم والتكوين الإنساني، ويؤكد القرآن هذه المركزية حين ينفي التسوية بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون فيقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[6]. ويربط رفعة أهل العلم بالإيمان والمسؤولية بقوله سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[7]. كما يوجه نبيه إلى طلب الزيادة منه بقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[8].

 إنّ اجتماع هذه الدلالات يرسم أفقًا معرفيًّا لا تُختزل فيه قيمة العلم في المنفعة المادية، بل يتصل فيه العلم بالارتقاء الإنساني، وبإدراك المسؤولية، وبالقدرة على النظر والاستدلال، وعليه فإن منع المرأة من بلوغ المعرفة بسبب التزامها بالحجاب يطرح إشكالية تتجاوز حرية اللباس إلى العلاقة بين المؤسسات التعليمية والغاية التي أُنشئت من أجلها: هل يجري تقويم المتعلمة بحسب قدرتها على التعلم والتحصيل، أم يُستبدل بهذا المعيار حكم على مظهرها لا يكشف بذاته عن أهليتها العلمية؟

وتبلغ هذه الإشكالية مستوى أعمق عند استحضار القاعدة القرآنية التي تربط العدل بالقيام لله، حتى في مواجهة المصالح الشخصية والخصومات يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾[9]. ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[10]. وهاتان الآيتان لا تكتفيان بالدعوة إلى العدل بوصفه قيمةً عامة، بل تنقلانه إلى مرتبة الالتزام الذي لا يسقط بسبب الهوى، أو الخصومة، أو النفور من الآخر، فالعدل القرآني لا يُختبر فقط عندما يكون التعامل مع من يوافقنا في المعتقد والسلوك، وإنما تظهر حقيقته عندما تتعارض الحقوق مع الأهواء، أو عندما يكون الاختلاف سببًا محتملًا للانحياز، ومن هذا المنطلق فإن المحجبة التي تختلف معها جهة تعليمية في تصورها للباس لا تفقد بسبب ذلك الاختلاف وحده أهليتها العلمية، ولا يتحوّل اختلاف المظهر تلقائيًّا إلى دليل على ضعف القدرة أو انعدام الاستحقاق، ولا يعني هذا إلغاء الأنظمة التعليمية أو إعفاء جميع المتعلمين من ضوابطها، وإنما يعني أن أي إجراء يحرم طالبة من التعليم ينبغي أن يخضع لمعيار العدل، وأن يُفحص من حيث أساسه وضرورته وتناسبه وآثاره، لا أن يُمنح المشروعية لمجرد صدوره عن سلطة تمتلك القدرة على فرضه، فامتلاك القدرة على المنع لا يساوي امتلاك الحق في المنع، كما أن شيوع ممارسة ما لا يجعلها بالضرورة عادلة، وهذه نتيجة استدلالية تستند إلى المعيار القرآني، وليست حكمًا تفصيليًّا تستقل آية واحدة بإصداره على جميع الحالات.

ويمنح قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾[11]، هذا التأصيل بعدًا إضافيًّا، فالعدل هو المعيار الذي تُوزن به الحقوق والعلاقات، والإحسان يفتح أفقًا يتجاوز الحد الأدنى من الامتناع عن الظلم إلى مراعاة الإنسان وصيانة مصالحه المشروعة. وحين يُطبَّق هذا المعيار على البيئة التعليمية، لا يكفي السؤال عمّا إذا كانت المؤسسة قد أصدرت قاعدةً عامة، بل ينبغي أيضًا النظر في أثر القاعدة على فرص التعليم، وفي مدى ارتباطها بالغاية التعليمية، وفي إمكان تحقيق تلك الغاية بوسائل أقل مساسًا بحقوق الطالبات، وهنا تتضح أهمية التمييز بين المساواة الشكلية التي قد تطبّق قاعدة واحدة على الجميع دون النظر في نتائجها، والعدل الذي يستدعي فحص ما إذا كانت القاعدة تؤدي عمليًّا إلى حرمان فئة بعينها من فرصة التعلم بسبب مظهر ديني لا صلة ضرورية له بكفاءتها العلمية.

ولا ينفصل العدل في هذه القضية عن مبدأ عدم الاعتداء، فالقرآن يضع حدًّا أخلاقيًّا واضحًا لتجاوز الحقوق فيقول تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[12]. ويقرر في سياق آخر: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾[13]. ومع أنّ الآية الثانية وردت في سياق قصة شعيب (ع) وما اتصل بالتطفيف والحقوق في المعاملات، فإن دلالتها الأخلاقية العامة تذكّر بخطورة الانتقاص من حقوق الناس ومصالحهم، ومنهج التفسير الموضوعي يقتضي هنا التمييز بين السياق الأصلي للآية، وبين الاستفادة من مبدئها الأخلاقي في دراسة الظواهر المعاصرة، فلا تُنقل الآية من موضوعها المباشر إلى قضية التعليم من غير بيان وجه الاستدلال، ولا يُدّعى أنها تتحدث نصًّا عن الحجاب أو عن سياسات المؤسسات التعليمية الحديثة.

ومن الشواهد التي توسّع أفق هذا البحث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾[14]؛ وهو أصل قرآني في فردية المسؤولية وعدم تحميل الإنسان تبعات غيره، وفي حدود موضوع الدراسة يمكن استحضار هذا المبدأ للتنبيه إلى أن الحكم على المرأة ينبغي ألّا يُبنى على تصورات مسبقة عن الجماعة التي تنتمي إليها، أو على أحكام عامة تُسقط على كل محجبة موقفًا فكريًّا أو اجتماعيًّا واحدًا، فالحجاب من حيث كونه مظهرًا للالتزام الديني لا يكشف وحده عن المستوى العلمي للمرأة، ولا عن كفاءتها، ولا عن قدرتها على الحوار والإبداع، وكلّما استُبدل تقويم الفرد في ذاته بتصنيف مسبق قائم على مظهره، ازدادت الحاجة إلى مساءلة ذلك التصنيف بميزان العدل والإنصاف.

على أنّ بناء الحجة القرآنية لا يكتمل بالدفاع عن حق المرأة في التعليم فحسب، بل يستلزم كذلك تأصيل مفهوم الحجاب نفسه، حتى لا يقع البحث في الطرف المقابل من الخطأ الذي ينتقده، فالقرآن لا يعرض لباس المرأة بوصفه تفصيلًا منفصلًا عن منظومة الإيمان والأخلاق والآداب الاجتماعية، وإنما يذكر أحكام النظر والستر في سياق تهذيب السلوك وصيانة العفة يقول تعالى في خطاب المؤمنات: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾[15]. ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾[16]. وتشكّل هاتان الآيتان أصلًا مركزيًّا في البحث الفقهي المتعلق بلباس المرأة، مع ضرورة الرجوع إلى كتب التفسير والفقه في تحديد الدلالات التفصيلية، وحدود الستر، وما يرتبط بذلك من اختلافات في بعض الجزئيات.

وتكمن أهمية استحضار هذين النصين في أن البحث لا يتعامل مع الحجاب باعتباره مجرد اختيار شكلي لا خلفية دينية له، ولا يحوّل القضية إلى خصومة بين التدين والمعرفة، بل ينطلق من الاعتراف بأن للحجاب أساسًا دينيًّا في المنظومة الإسلامية، ثم يسأل عن مدى مشروعية تحويل هذا الالتزام إلى سبب للحرمان من التعليم، فالانتقال من الاعتراف بوجود تكليف شرعي إلى تبرير إقصاء من يلتزم به انتقال يحتاج إلى دليل مستقل، ولا ينتج منطقيًّا من مجرد وجود التكليف، وبالمقابل، فإن الاستناد إلى حق التعليم لا يقتضي إلغاء البحث الفقهي في أحكام اللباس، كما أن البحث في أحكام اللباس لا يبرر تلقائيًّا حرمان المرأة من فرصتها في المعرفة، فوضع المسألتين في موضعهما الصحيح يحرّر النقاش من الثنائية المصطنعة التي تجعل المرأة مضطرة إلى الاختيار بين هويتها الدينية ومستقبلها العلمي.

وهنا تظهر المفارقة التي يسعى هذا البحث إلى كشفها: قد تتذرّع بعض الممارسات برفع شعار التحرر أو الحياد أو الانضباط المؤسسي، لكنها تنتهي عمليًّا إلى جعل المرأة تختار بين التزامها الديني، وبين مقعدها الدراسي، وفي هذه الحالة لا يعود السؤال مقتصرًا على الموقف من الحجاب، بل يمتد إلى حدود السلطة التي تحدد من يُسمح له بالدخول إلى المجال المعرفي، وما المعايير التي تُعتمد في توزيع فرصه، فالسلطة المعرفية لا تتجلى فقط في إنتاج المناهج وتحديد المعلومات، وإنما قد تظهر أيضًا في رسم الحدود الاجتماعية لمن يحق له أن يتعلم، وفي تحديد المظاهر المقبولة داخل المؤسسة، وفي تحويل الاختلاف من واقع إنساني يمكن تنظيمه إلى سبب للإبعاد.

وفي هذا السياق، يكتسب قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[17]؛ دلالة اجتماعية مهمة إذ ينقل الالتزام الديني من نطاق الممارسة الفردية إلى مجال المسؤولية الجماعية، فمواجهة الإقصاء المعرفي لا تقع على عاتق الطالبة المحرومة وحدها، بل تستدعي مسؤولية الباحثين والتربويين والمؤسسات العلمية والإعلامية في توثيق الحالات، وبيان آثارها، وفتح الحوار حول المعايير العادلة، واقتراح حلول تحفظ الالتزام الديني وتراعي متطلبات البيئة التعليمية، وبذلك لا يكون الدفاع عن الطالبات المحجبات مجرد موقف عاطفي آني، بل عملًا معرفيًّا وأخلاقيًّا يستند إلى البحث والتوثيق والحجة.

إنّ الموازين القرآنية التي يتأسس عليها هذا البحث لا تدعو إلى إقامة خصومة مطلقة بين الحجاب والمؤسسة التعليمية، ولا إلى افتراض أن كل اختلاف في اللوائح هو ظلم بالضرورة، وإنما تؤسس لمعيار نقدي يمكن من خلاله التمييز بين التنظيم المشروع والإقصاء غير العادل، فحيثما وُجدت قاعدة تعليمية، ينبغي النظر في عدالتها وغايتها وآثارها، وحيثما وُجد تكليف ديني، ينبغي فهمه ضمن دلالاته الشرعية، وحيثما اجتمع الأمران، وجب ألّا يُستعمل أحدهما ذريعة لإهدار الآخر من غير حجة، وهذه المقاربة هي التي تمنح البحث طابعه الموضوعي، لأنها لا تستبدل حكمًا مسبقًا بحكمٍ مسبق، بل تعيد القضية إلى النصوص والمبادئ والوقائع، وتختبر مدى اتساق الممارسة مع منظومة العدل والكرامة والمسؤولية.

وإذا كان التأصيل القرآني للعلاقة بين الحجاب والتكليف والكرامة قد كشف عن ضرورة الفصل بين الالتزام الديني والأهلية المعرفية، فإن الإشكال الأعمق الذي تفرضه قضية الطالبات المحجبات لا يكمن في إثبات مشروعية الحجاب وحدها، ولا في تكرار التأكيد على قيمة العلم في الإسلام، بل في الكشف عن الكيفية التي يمكن بها أن يتحول الاختلاف في المظهر إلى أداة لإعادة توزيع فرص المعرفة، بحيث لا يعود الدخول إلى المؤسسة التعليمية محكومًا بالاستعداد العلمي والقدرة على التحصيل، بل بمدى توافق المتعلمة مع صورة مسبقة يراد فرضها عليها، عند هذه النقطة تحديدًا تنتقل القضية من مجال الجدل حول اللباس إلى مجال مساءلة السلطة التي تحدد من يحق له أن يتعلم، وتضع الحدود الفاصلة بين الاختلاف المقبول والاختلاف الذي يُعاقَب صاحبه بالحرمان، فالمسألة ليست مجرد وجود طالبة ترتدي الحجاب داخل مؤسسة تعليمية، وإنما وجود منظومة من المعايير والتصورات قد تجعل هذا الحجاب سببًا في إغلاق باب معرفي أمامها، مع أنه لا يدل بذاته على قصور في عقلها، ولا نقص في كفاءتها، ولا عجز عن المشاركة في الحياة العلمية.

إن الخطورة في هذا التحول أن الإقصاء قد لا يبدأ بقرار المنع نفسه، بل يبدأ قبل ذلك، حين يُعاد تشكيل صورة المرأة المحجبة في الوعي العام، وتُحمَّل هويتها الدينية دلالات تتجاوز حقيقتها الفردية، ثم تُستعمل تلك الدلالات في تبرير استبعادها، وهكذا يُصنع حاجز معرفي سابق على الحاجز المادي، إذ تُختزل المرأة في علامة ظاهرة، ويُستبدل النظر إلى قدراتها الفعلية بالحكم على انتمائها، وتصبح مطالبة بالتخلي عن مظهر تعبدي حتى تُعامل بوصفها أهلًا للتعليم، وفي هذه الحالة لا يكون الإقصاء نفيًا لحق تعليمي فحسب، بل يصبح محاولة لإعادة تعريف الإنسان المقبول معرفيًّا وفق شروط لا تتصل بالضرورة بقدرته على إنتاج المعرفة أو اكتسابها، ومن هنا تبرز المفارقة التي يتعين على الدراسة كشفها: أن تُرفع شعارات الاستقلال والتحرر، بينما يُضيَّق على المرأة في ممارسة اختيارها الديني، وأن يُتحدث باسم تمكينها، بينما تُوضع أمامها معادلة قسرية تجعل استمرارها في التعليم مشروطًا بالتنازل عن مظهر تتبناه عن قناعة دينية، ولا يقدّم القرآن الكريم هذه الظاهرة باسمها المؤسسي المعاصر، غير أنه يكشف عن أنماط من التفكير والممارسة يمكن أن تنتجها، وفي مقدمتها تحويل الاختلاف إلى أساس للتفاضل غير العادل، وإحلال التصنيف المسبق محل النظر في الحقيقة، ومنح المصلحة أو الهوى سلطة تتجاوز مقتضيات القسط يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾[18].

إنّ التعارف في الأفق القرآني لا يقتضي محو الفوارق بين البشر حتى يصبحوا صورة واحدة، بل يفترض إمكان وجودهم في فضاء مشترك على الرغم من اختلافاتهم، وإذا كان النص قد جعل التنوع الإنساني مدخلًا للتعارف، فإن تحويل الاختلاف الديني الظاهر إلى سبب للإبعاد يطرح سؤالًا عن اللحظة التي ينقلب فيها الاختلاف من واقع إنساني إلى أداة للحرمان، ولا تعني هذه الدلالة أن الآية تتناول مباشرة سياسات الحجاب في المؤسسات التعليمية، وإنما تتيح أساسًا نقديًّا لمساءلة كل ممارسة تجعل التشابه شرطًا للقبول، أو تتعامل مع الاختلاف بوصفه خللًا ينبغي إزالته بدل النظر إليه في ضوء الحقوق والضوابط العادلة، ويزداد هذا المعنى وضوحًا حين ينهى القرآن عن السخرية والتنابز واللمز فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾[19]، ثم يقول: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾[20]. فالآية تكشف عن أن الإيذاء الاجتماعي قد يبدأ من اللغة التي ينتقص بها الإنسان من غيره، وأن إطلاق الأحكام على الجماعات قد يتحول إلى وسيلة لإضعاف مكانتها وإقصائها، وإذا انتقل هذا المنطق من المجال الاجتماعي إلى البيئة التعليمية، فقد يتخذ صورة التشكيك في قدرات الطالبات المحجبات، أو تصويرهن بوصفهن غير منسجمات مع المعرفة، أو التعامل مع حضورهن باعتباره مشكلة ينبغي حلها، وهنا لا يعود الخطاب مجرد تعبير عن اختلاف فكري، بل يصبح جزءًا من بيئة قد تُنتج التمييز وتُهيّئ له، الأمر الذي يستدعي التمييز بين مناقشة الأفكار الدينية بحرية علمية، وبين الانتقاص من الأشخاص أو حرمانهم من الفرص بسبب مظهرهم.

ومن أخطر ما ينبغي تفكيكه في هذا السياق ادعاء أنّ إقصاء المرأة المحجبة يمكن أن يُبرَّر باسم تحريرها، لأن هذا الادعاء قد ينقل مركز القرار من المرأة نفسها إلى سلطة أخرى تتولى تحديد ما ينبغي لها أن ترتديه كي تستحق التعليم، فبدل أن تكون المرأة ذاتًا مسؤولة عن اختيارها، تصبح موضوعًا لمشروع يفرض عليها صورة محددة للتحرر، ويقيس استقلالها بمدى ابتعادها عن مظهرها الديني، ويكشف هذا التناقض عن ضرورة التمييز بين تمكين المرأة من المعرفة وبين إعادة تشكيل هويتها وفق تصورات خارجية، فالتمكين الذي يشترط على المرأة أن تتخلى عن التزامها حتى تتمكن من الدراسة قد يتحول، في الحالات التي لا يقوم فيها المنع على مسوّغ عادل ومتناسب، إلى صورة من الوصاية المقنّعة، ولا يصح بناء هذا الحكم على مجرد الاختلاف مع أي لائحة تعليمية، بل ينبغي أن يستند إلى تحليل مضمونها، وطبيعة المصلحة التي تدّعي حمايتها، والوسائل المتاحة لتحقيقها، والنتائج التي تترتب على تطبيقها، وفي هذا الموضع يستدعي البحث قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾[21]، لا بوصفه تكرارًا عامًّا لفضيلة العدل، بل بوصفه معيارًا لفحص العلاقة بين الغاية المعلنة للسياسة والنتيجة التي تنتجها في الواقع، فإذا قيل: إن الغاية هي تنظيم المؤسسة أو ضمان الحياد، وجب السؤال عن الصلة الفعلية بين هذه الغاية، وبين حرمان الطالبة من التعليم، وإذا قيل: إن القاعدة تنطبق على الجميع، وجب فحص ما إذا كانت آثارها متكافئة بالفعل، أم أن صياغتها العامة تُفضي إلى تحميل فئة محددة كلفة أكبر بسبب التزامها الديني، فالعدالة لا تُستنفد في تماثل الألفاظ القانونية، وإنما تقتضي النظر في مضمون الإجراءات وآثارها، وفيما إذا كانت الوسيلة المستخدمة ضرورية لتحقيق غاية مشروعة، أم أن هناك بدائل أقل تقييدًا لفرص التعليم، وهذا التحليل لا يجعل كل اختلاف في تنظيم اللباس ظلمًا، بل يمنع أن تتحول عبارة الحياد إلى حكم نهائي يعفي السياسات من المساءلة، ومن هنا تتخذ الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾[22]، موقعًا منهجيًّا في تقويم السلطة التعليمية، فالسلطة التي تملك وضع القواعد لا تنفصل عن مسؤولية تبريرها، ولا يصبح قرارها عادلًا لمجرد أنّه نافذ.

 إن امتلاك القدرة على تنظيم المجال التعليمي يقتضي تحمّل مسؤولية أخلاقية عن آثاره، ولا سيما عندما يمس القرار مستقبل المتعلمة وفرصها في التخصص والعمل والمشاركة الاجتماعية، وفي المقابل فإن إخضاع القرار للمعيار القرآني لا يعني الاستغناء عن البحث القانوني، أو تجاهل خصوصية الأنظمة التعليمية، بل يعني أن مشروعية الإجراء ينبغي أن تُفحص في ضوء الأدلة والوقائع، لا أن تُستمدّ من سلطة الجهة التي أصدرته وحدها، ويتصل بذلك مبدأٌ قرآني آخر يكشف خطورة تحميل الأفراد نتائج أحكام عامة لا تتعلق بأفعالهم وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾[23]. فالفرد في المنظور القرآني لا يُحمَّل مسؤولية لمجرد انتسابه إلى جماعة، ولا يُسوّغ الحكم عليه بما يُفترض عن الآخرين، وعند تطبيق هذا الأصل على قضية الطالبات المحجبات، تبرز ضرورة ألّا تُنسب إلى كل محجبة أفكار أو مواقف أو قدرات لمجرد مظهرها، وألّا يُجعل لباسها بديلًا من تقييمها الفردي، فالطالبة تُقاس في المجال العلمي بما يتصل بأدائها واستعدادها والتزامها بالمتطلبات التعليمية المشروعة، لا بمجموعةٍ من التصورات التي تُسقط عليها بسبب هويتها الدينية، وبذلك يتجاوز البحث الدفاع عن فئة اجتماعية إلى نقد منطق أوسع، هو منطق استبدال الحكم على الإنسان بالحكم على الصورة التي يُمثَّل بها.

غير أنّ الأثر الأعمق للإقصاء لا يقف عند حدود الطالبة التي تُمنع من الدراسة، بل يمتد إلى علاقة المجتمع بالمعرفة ذاتها، فحين تُربط المشاركة العلمية بالتخلي عن اختلاف ديني أو ثقافي لا يمس جوهر الكفاءة، فإن المجال المعرفي يفقد قدرته على استيعاب تنوّع الخبرات، ويصبح الوصول إليه مشروطًا بالامتثال لصورة اجتماعية محددة، ولا يعني ذلك أن كل تنوع يضمن بذاته إنتاج معرفة أفضل، بل يعني أن استبعاد أصحاب القدرات بسبب مظهرهم يحرم المجال العلمي من فرصة تقييمهم على أساس ما يستطيعون تقديمه، وهنا تتصل المسألة بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[24]، وبقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [25]. فهاتان الآيتان تؤكدان منزلة العلم وطلب الزيادة منه، لكن الدلالة التي يستثمرها البحث هنا ليست تكرار فضل العلم، بل مساءلة كل ممارسة تجعل الوصول إلى المعرفة خاضعًا لمعيار لا يتصل بقدرة الإنسان على تحصيلها.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الإقصاء المعرفي باعتباره تعطيلًا لمسار من مسارات تنمية الإمكانات الإنسانية، لا لأن كل طالبة محرومة ستصبح بالضرورة عالمة أو باحثة، بل لأن المنع المسبق يحول دون اختبار قدراتها أصلًا، وهذا هو الفارق بين التقييم الذي يأتي بعد إتاحة الفرصة وفق معايير معلومة، والإقصاء الذي يمنع الفرصة قبل أن تبدأ عملية التقييم، ففي الحالة الأولى تُختبر الكفاءة، أما في الثانية فقد يُستبدل الاختبار بحكم سابق على صاحبة الكفاءة المفترضة، ومن ثم فإن الإقصاء لا يحرم المرأة من نتيجة تعليمية فحسب، بل قد يحرمها من إمكان إثبات أهليتها، ويُضعف قدرة المؤسسة نفسها على التمييز بين الاختلاف في الهوية والاختلاف في الكفاءة.

وعلى هذا الأساس، لا تكتمل دراسة الحجاب في مواجهة الإقصاء المعرفي بمجرد إثبات أن الحجاب تكليف ديني أو أن التعليم ذو قيمة إنسانية، لأن موضع الإشكال يكمن في البنية التي تربط بين الأمرين على نحو يجعل الالتزام سببًا للحرمان، ومن هنا يتجه البحث إلى فحص ثلاث مسائل متداخلة في نسيج واحد: كيف تُصنع الصور النمطية التي تنتقص من أهلية المرأة المحجبة، وكيف تُمنح بعض القواعد المؤسسية شرعية ظاهرية رغم ما قد تنتجه من إقصاء، وكيف ينتقل أثر المنع من حرمان الفرد إلى تضييق المجال المعرفي الذي يفترض أن يتيح للقدرات أن تظهر وتُختبر، وهذه ليست قضايا منفصلة عن بعضها، بل حلقات في مسار واحد قد يبدأ بتصنيف المرأة، ثم يتحول إلى قاعدة تحدّ من مشاركتها، وينتهي إلى إهدار فرصة علمية كان يمكن أن تتاح لها وللمجتمع.

وبذلك يتحدد الإسهام الذي يسعى هذا البحث إلى تقديمه: نقل دراسة الحجاب من مستوى الجدل حول المظهر إلى تحليل العلاقة بين الهوية الدينية وسلطة الوصول إلى المعرفة، مع اعتماد الموازين القرآنية أداةً لنقد التمييز، لا ذريعةً لإصدار أحكام غير موثقة، فالقرآن حين ينهى عن الظن، ويأمر بالقسط، ويرفض السخرية والاعتداء، ويؤكد مسؤولية الحكم، يضع أمام الباحث معيارًا يكشف الخلل في الممارسة حين تُقدَّم الصورة النمطية على الحقيقة، أو تُقدَّم سلطة القرار على مقتضيات العدل، وإذا ثبت أن منع طالبة من التعليم ناشئ عن حجابها وحده، من غير مسوّغ عادل ومتناسب يتصل بمتطلبات التعليم، فإن هذه الممارسة تستدعي مساءلة جادة في ضوء تلك الموازين.

إنّ جوهر القضية إذن، ليس أن تُمنح المرأة المحجبة استثناءً من المعرفة، ولا أن يُعفى التزامها الديني من كل تنظيم مشروع، بل ألّا تُجعل هويتها الدينية ثمنًا ينبغي دفعه للدخول إلى المجال العلمي، فالمعرفة لا ينبغي أن تكون مكافأة لمن يتشابه مع النموذج الاجتماعي السائد، كما أن التنظيم لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لفرض هذا التشابه، ومن هنا فإن مواجهة الإقصاء المعرفي تقتضي استعادة المعيار الذي يقدّم الحجة على الصورة، والكفاءة على التصنيف، والعدل على الهوى، ويمنع أن تتحول الاختلافات الإنسانية إلى أبواب مغلقة أمام التعلم.

إن القضية ليست صراعًا بين الحجاب والتعليم، بل مساءلة لسياسات قد تصنع تعارضًا بينهما دون ضرورة مثبتة، فالمؤسسة التعليمية التي تجعل التخلي عن الالتزام الديني شرطًا للنفاذ إلى المعرفة مطالبة بتبرير هذا الشرط، وإثبات صلته الفعلية بمتطلبات التعليم، لا الاكتفاء بتسميته حيادًا أو تنظيمًا، فالعدل لا يُقاس بعمومية القاعدة وحدها، وإنما بإنصافها في التطبيق، ولا تُصان رسالة التعليم بإغلاق أبوابه أمام الطالبة المحجبة، بل بإتاحة الفرصة لها لتتعلم وتُثبت كفاءتها دون إقصاء غير مشروع. ومن هنا، فإن مقاومة الإقصاء المعرفي تمثل انتقالًا من الاستشهاد بالقيم القرآنية إلى تفعيلها في نقد السياسات وصياغة الضمانات، حتى يظل التعليم مجالًا لبناء الإنسان، لا أداة لإجباره على الاختيار بين هويته وحقه في المعرفة.

[1] سورة الإسراء، الآية 70.

[2]  سورة الحجرات، الآية 13.

[3]  سورة البقرة، الآية 256.

[4]  سورة الكهف، الآية 29.

[5]  سورة العلق، الآيات 1-5.

[6]  سورة الزمر، الآية 9.

[7]  سورة المجادلة، الآية 11.

[8]  سورة طه، الآية 114.

[9]  سورة النساء، الآية 135.

[10]  سورة المائدة، الآية 8.

[11]  سورة النحل، الآية 90.

[12]  سورة البقرة، الآية 190.

[13]  سورة الأعراف، الآية 85.

[14]  سورة الأنعام، الآية 164.

[15]  سورة النور، الآية 31.

[16]  سورة الأحزاب، الآية 59.

[17]  سورة المائدة، الآية 2.

[18]  سورة الحجرات، الآية 13.

[19]  سورة الحجرات، الآية 11.

[20]  سورة الحجرات، الآية 11.

[21]  سورة النحل، الآية 90.

[22]  سورة النساء، الآية 58.

[23]  سورة الأنعام، الآية 164.

[24]  سورة طه، الآية 114.

[25]  سورة الزمر، الآية 9.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.