مقدمة

كل الأنبياء والمرسلين وأصحاب الدعوات الإصلاحية عبر التاريخ الإنساني؛ دعت وتدعو البشر إلى التعامل مع  الخير والأخلاق الداعية إلى الفضيلة: أي الأخلاق القويمة.

ولقد شهد التاريخ البشري تطورات في النظرة إلى الفضيلة والأخلاق الحميدة، وكذلك في النظرة إلى الرذيلة، باعتبار أن الرذيلة ضد الفضيلة وضد الأخلاق الحسنة؛ وبالفطرة التي أودعها الله في قلوب بني الإنسان أن الكذب والتعالي والكبر؛ فضلًا عن القتل والسرقة وقطع الطريق؛ كلها رذائل.

إن الأخلاق الحسنة توصل إلى الفضيلة، وهما أساس بناء الشخصية الإنسانية والمجتمعات الصالحة؛ هذا عندما ينجحان في تقويم السلوك الإنساني للأفضل.

ويمكن من خلال الأخلاق /الفضيلة التمييز بين الخير والشر، بين الصداقة والعداوة … بين المستقيم والمعوج.

ومن ثم تُعرّف الفضيلة بأنها صفة أو سمة حميدة، تمكن الإنسان من فعل الخير، مثل الصدق والشجاعة والكرم؛ وهو قمة الأخلاق الحسنة؛ لأنها تُعتبر منظومة القيم والمبادئ التي توجّه سلوك البشر وتصرفاته في الحياة؛ على مستويات الفرد والجماعة؛ فلو حدث وانهارت الأخلاق وضاعت الفضيلة، انهار المجتمع، وربما قادت إلى الحروب الأهلية أو الاستبداد والطغيان؛ وهو المآل/المصير الطبيعي الذي ينتهي إليه المجتمع.

وخلال عصرنا الذي نعيش فيه، انفتح العالم من خلال ثورة الاتصالات التى جعلت العالم قرية واحدة بالفعل، بخلاف الذكاء الاصطناعي ووسائل السوشيال ميديا، وكلها أمور أثرت على المجتمعات والأفراد، بحيث لا يمكن الفصل بين الشائعات والحقائق.

لكن يظل النظر للأخلاق من وجهة النظر الإنسانية واحدة؛ لأنها تتفق مع الفطرة. وهنا نسعى إلى التعرف على تاريخ وفلسفة الأخلاق؛ وجودها عند الفلاسفة والديانات السماوية والأرضية على السواء، والمآلات التي تقود للحسن والأسوأ.

الأخلاق عند الفلاسفة

إن سؤال الفلاسفة منذ  آلاف السنين كان واحدًا، كيف نعيش حياة صحيحة؟ وهل الحسن هو ما يستحسنه العقل، والقبيح هو ما لا يستحسنه العقل؟

نرصد بعضًا من الرؤى الفلسفية كنماذج؛ فالأخلاق مثلًا عند أرسطو تنص على أمر موجود؛ وهو كن فاضلًا[1]؛ لأن تحقيق الهدف السامي المثالي، هو السعادة الحقيقية، ثم  تأتي الأخلاق على قاعدة الوسط الذهبي؛ مثلًا  الوسطية بين الجبن والتهور، والكرم بين البخل والإسراف.

والأخلاق يمكن اعتبارها مهارة نتدرب عليها، كما يرى إيمانويل كانط[2]، فيقول: اعمل واجبك بدون النظر إلى النتيجة، والمهم هو النتيجة أو المآل، والقاعدة توصي بأن نعامل الناس كغاية لا كوسيلة، وتصرف بالقاعدة التي نرضى أن تكون قانونًا. 

أما جماعة بنثام، أو  “البنثامية  (Benthamism)[3]، هي الحركة الفكرية التي أسسها الفيلسوف وعالم القانون الإنجليزي جيريمي بنثام (1748- 1832)، وتقوم على فلسفة المذهب النفعي الذي يهدف إلى تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس؛ لفعل الصحيح هو الذي  يحقق أكبر سعادة لأكبر عدد ممكن[4].

أما الفيلسوف الألماني نيتشه؛ قال: اصنع قيمك بنفسك ولا تتبع القطيع. وهو أمر مثالي؛ لأن المتفرد يقود غيره، والمفترض أنه يقود للأخلاق الفاضلة، لتتحقق المصائر الإيجابية. ولقد وجدت مثل هذه القيادات في التاريخ البشري، مثل الأنبياء والمصلحين، وبالتكبد توجد قيادات شريرة، قادت إلى القتل والحروب والاستبداد والطغيان؛ وجميعها مستمدة من تبني الأخلاق القبيحة والسلوك المشين.

 وتنص النظرية الوجودية لصاحبها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر على المناداة بالحرية التامة للإنسان؛ لأنه حر تمامًا، ومسؤول عن كل اختيار يفعله[5].

والمسؤولية هنا تعني ضمان حرية الفرد حرية تامة بدون المساس بحرية الآخرين، وهذا كله يتطلب حكم أخلاقي راشد يمتلك إطلاق الحريات بدون طغي أو إجبار.

الأخلاق في القرآن الكريم

لم ينزل القرآن الكريم فقط ليعلّمنا كيف نصلي ونصوم، بل نزل أولًا ليبني الإنسان؛ قال النبي (ص): “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”[6]؛ والقرآن هو المصدر الأول لهذه الأخلاق؛ والنبي هو المثل الكامل للمكارم الأخلاقيَّة؛ فيجب على المسلمين وغير المسلمين أن تتخذ منه القدوة الحسنة.

لقد ركّز القرآن على الأخلاق، حيث وصف الله سبحانه نبيه قبل كل شيء فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[7].

فالأخلاق هي الميزان الذي تُوزن به أعمالنا: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾[8]

إن الأخلاق مع الله؛ هي علاقة خالق ومخلوق؛ عابد ومعبود؛ وقد طلب الخالق من الإنسان المخلوق؛ الإيمان به واتباعه سبل الخير والسلام والتقوى والصدق والوفاء والعدل مع النفس ومع الله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾[9].

وفي الصدق قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾[10].

وطلب الله من الناس الاعتدال والوسطية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾[11]

  وأيضًا تزكية النفس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾[12]

وبر الوالدين قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾[13].

وطلب الله العدل حتى مع العدو: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلَّا تَعْدِلُوا﴾[14].

وعن الكلمة الطيبة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[15].

وطلب احترام الخصوصية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾[16]

ونهى عن الغيبة والسخرية: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾[17].

وعن الأخلاق مع المجتمع؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [18].

 وعن الأمانة قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾[19].

وحث على العفو قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[20]

الأخلاق في نهج البلاغة

بعد أن كتبنا سريعًا عن الأخلاق في القرآن والسنة النبوية الشريفة؛ رأينا أن التراث الإسلامي مليء بالحكمة؛ وهنا اتخذنا كتاب نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب (ع) دليلًا ونبراسًا للمنهج الإسلامي الكامل حول الأخلاق وعلاقتها بمصائر البشر.

في نهج البلاغة نستشف رؤية الإمام علي (ع)، أن المجتمع الذي بلا أخلاق ينهار حتى لو كان قويًّا؛ والأخلاق تبدأ بقرار داخلي من النفس اللوامة؛ قال الإمام :“كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب” [21]؛ يعني كن نافعًا، لا تكن عبئًا ولا أداة للظلم.

وعن الحلم وكظم الغيظ قال الإمام: “إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرًا للقدرة عليه”[22] . القوة الحقيقية عنده هي التحكم في النفس.

وقال أمير المؤمنين حول معاني العدل التي تتصل بمآلات الناس والنظرة إليهم؛ قال: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”، وقال أيضًا: “العدل واجب حتى مع المخالف”.

 وفي عهده لمالك الأشتر عندما ولّاه مصر يقول: “وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم”. الحاكم بدون رحمة يتحول إلى طاغية، وقال أيضًا: وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل”[23]. حذّر من المقربين الذين يزينون الباطل.

وإياك والدماء وسفكها بغير حلها [24].

مآلات الإنسان من الفضيلة إلى المصير

قال أستاذ الجغرافيا الدكتور جمال حمدان في موسوعته (شخصية مصر … دراسة في عبقرية المكان)[25]: إن بلدان مصبات الأنهار، شهدت إنشاء الحضارات كما شهدت الطغيان وعبادة الحاكم جنبًا إلى جنب؛ وهو المصير الحتمي في تطور البشرية، حيث ظهر الطغيان رغم التقدم العمراني الحضاري، وفسدت الأخلاق في كثير من عصور التاريخ، ومن الطبيعي أن تكون مآلات الحضارة إلى زوال، ولذلك فإن التاريخ حدثنا عن الطغيان والاستبداد كصفات قبيحة تهدد مصير الجماعة والفرد.

إن مآلات (المفرد مأل)، أو مصير الفرد والجماعة، تعني العواقب والمصير والنتائج التي تؤول إليها الأمور وتنتهي إليها الأفعال، وفي الفقه الإسلامي، يُقصد بها  “فقه المآلات”، أو اعتبار مآلات الأفعال، وهو النظر في النتائج المتوقعة لأي تصرف أو فتوى قبل إصداره لتجنب المفاسد المحتملة.

الأخلاق ومآلات البشر في عصر الميديا

باختصار غير مخل، تترك وسائل التواصل الاجتماعي أثرًا عميقًا ومزدوجًا على الأخلاق والقيم المجتمعية، فمن الناحية الإيجابية، هي جهة تسهم في نشر الوعي، وسرعة التضامن الإنساني، وتعزيز بعض قيم التواصل، ومن الآثار الإيجابية لوسائل التواصل على الأخلاق نشر الوعي والمعرفة، وتسهيل إيصال الحملات التوعوية والخيرية، ودعم المبادرات الإنسانية بسرعة فائقة.

وكذلك التواصل البنّاء، وإتاحة الفرصة لتبادل الخبرات والثقافات، وتعزيز التعاطف مع قضايا المجتمعات المختلفة.

سلبيات وخطورة وسائل التواصل الاجتماعي

إن الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماع على الأخلاق كبيرة وخطيرة ومتعددة، منها التنمر والسخرية وزيادة المشادات الكلامية، وإطلاق الأحكام القاسية بين المستخدمين بحماية الشاشة الوهمية، ونشر الشائعات والتعصب للمذاهب والأديان والأعراق، وإلهاب الفتن والمواقع الإباحية والمثلية.

ومنها انتهاك الخصوصية ونشر صور ومعلومات تخص الآخرين دون إذن قانوني أو أخلاقي، وتراجع المصداقية.

وفي الوقت الذي كانت الأكاديميات ومراكز التفكير والمؤسسات الإعلامية ذاتها تبذل جهودًا لتعزيز النزعة الأخلاقية في الأداء الإعلامي، لكن  تغيّر المشهد الاتصالي العالمي، قُرب نهايات القرن الفائت، تغيُّرًا جوهريًّا، وكان الملمح الأساسي في هذا التغيُّر يتعلّق بصعود دور وسائط التواصل الاجتماعي وهيمنتها على قدر كبير من اهتمامات الجمهور، ونهوضها بأدوار إخبارية رئيسية، خصوصًا بين الشباب واليافعين.

ويبقى للإعلام دور خطير، مؤثر فعال على المستوى الأخلاقي، الإيجابي منه والسلبي، ولا بد من حماية الأخلاق وحماية الضمائر والمصائر معًا.

[1]  عاطف العراقي، ابن رشد، القاهرة، مكتب الأسرة، 1999، بتصرف من صفحات الكتاب.

[2]  المصدر نفسه.

[3]   المصدر نفسه.

[4]  موقع وبويكيبيديا الإلكتروني.

[5]   أنيس منصور، الوجودية، القاهرة، كتاب اليوم، 1964، بتصرف من صفحات الكتاب.

[6]  الحديث مشهور وموجود في كل كتب الحديث.

[7]   سورة القلم، الآية 4.

[8]   سورة الأعراف، الآية 8.     

[9]   سورة النحل، الآية 128.

[10]  سورة التوبة، الآية 11.

[11]  سورة الإسراء، الآية 26.

[12]  سورة الشمس، الآية 9.

[13]  سورة الإسراء، الآية 23.

[14]  سورة المائدة، الآية 8.

[15]  سورة البقرة، الآية 83.

[16]  سورة النور، الآية 27.

[17]  سورة الحجرات، الآية 11.

[18]  سورة المائدة، الآية 2.

[19]  سورة النساء، الآية 58.

[20]  سورة المائدة، الآية 13.  

[21]  نهج البلاغة، نسخة كمبيوتر لدى الكاتب. وتعريف ابن اللبون، هو صغير الابن ذو الستين.

[22]   نهج البلاغة.  

[23]  نهج البلاغة.

[24]  نهج البلاغة.

[25]  جمال حمدان، شخصية مصر … دراسة في عبقرية المكان، مكتبة نور الإلكترونية، الجزء1، الصفحة 87.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.