مقدمة
هل تبدأ صناعة التغيير من السيف، أم من الكلمة؟ ولماذا تخشى بعض القوى كلمةً صادقة أكثر مما تخشى جيشًا كاملًا؟
قد تبدو الكلمة في ظاهرها صوتًا عابرًا، لكنها في حقيقتها قادرة على أن توقظ ضميرًا، وأن تهدم باطلًا، وأن تعيد للناس قدرتهم على التمييز بين الحق والباطل. ولهذا لم يكن الإصلاح في منطق الأنبياء والأوصياء قائمًا على القوة وحدها، بل على الكلمة التي تهدي، والموقف الذي يوقظ، والضمير الذي لا يقبل المساومة.
ومن هنا، جعل الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم فرائضه؛ لأنه الضمانة التي تحفظ المجتمع من أن يعتاد المنكر، أو يسكت عن انحرافه. فإذا تعطلت هذه الفريضة، لم يتوقف صوت الإصلاح فحسب، بل بدأ ضمير الأمة يخبو شيئًا فشيئًا.
وعندما نتأمل سيرة الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، ولا سيما في الأيام التي سبقت فرض ولاية العهد عليه، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل كانت القضية مجرد انتقالٍ في موقعٍ سياسي، أم أن وراء ذلك هدفًا أعمق يتعلق بتغيير وظيفة الإمام في المجتمع؟
إن قراءة تلك المرحلة تكشف أن أخطر ما يمكن أن يُواجه به المصلح ليس السجن، ولا النفي، ولا حتى القتل، بل أن يُراد له أن يصمت، أو أن يُشغل عن رسالته، أو أن يُقدَّم للناس وكأنه جزءٌ من واقعٍ كان يدعو إلى إصلاحه.
ومن هنا، فإن ذكرى استشهاد الإمام الرضا (ع) ليست مناسبةً لاستحضار مظلوميته فحسب، بل فرصةٌ للتأمل في رسالته، وفي قيمة الكلمة التي بقيت حيّة، وفي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أرادها الإسلام روحًا نابضةً في حياة الأمة، لا شعارًا يُتلى، بل مسؤوليةً تُمارس.
خيرية الأمة… ليست وصفًا مجانيًّا
حين وصف القرآن الأمة الإسلامية بأنها خير أمة، لم يجعل هذا الوصف لقبًا يُمنح بلا سبب، ولا وسامًا يُعلَّق لمجرد الانتماء، وإنما ربطه بعملٍ يحفظ حياة المجتمع، فقال تعالى:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
وكأن القرآن يقرر أن خيرية الأمة لا تقوم على كثرة أفرادها، ولا على قوتها، ولا حتى على انتسابها إلى الإسلام فحسب، وإنما على بقائها أمةً حيّة، لا ترى المعروف فيُترك، ولا ترى المنكر فيُقرّ.
ومن هنا، لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيلةً مستحبة فحسب، بل صمام الأمان الذي يحفظ للأمة هويتها. فالإيمان إذا بقي حبيس القلوب، ولم يتحول إلى موقفٍ يحمي المجتمع، بدأ المعروف يضعف، والمنكر يكتسب شرعية الصمت، حتى يصبح ما كان مستنكرًا يومًا أمرًا مألوفًا.
ولهذا، جعل الإسلام هذه الفريضة من فروع الدين؛ لأنها لا تبني الفرد وحده، بل تحرس المجتمع كله. فالصلاة تبني المؤمن، والصيام يزكي نفسه، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيحفظان البيئة التي يعيش فيها المؤمن، حتى لا يبتلعها الانحراف بصمت.
ومن هنا نفهم أن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة ليس انتشار المنكر وحده، وإنما أن تفقد الشجاعة التي تجعلها تقول: هذا معروف، وهذا منكر. فإذا سكتت الألسن، خبت الضمائر، وإذا خبت الضمائر، لم يعد المنكر يحتاج إلى من يدافع عنه، بل يكفي أن لا يجد من يعترض عليه.
ومن أجل ذلك، كانت هذه الفريضة رسالة الأنبياء والأوصياء، لأنها تحفظ يقظة الأمة، وتمنعها من الاعتياد على الانحراف. وإذا كانت خيرية الأمة مرتبطة ببقاء هذا الصوت حيًّا، فليس من المستغرب أن يكون إسكات هذا الصوت، أو إشغاله عن رسالته، من أخطر ما يمكن أن تواجهه مسيرة الإصلاح.
حين تُشغَل الرسالة
إذا كانت خيرية الأمة مرتبطة ببقاء صوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيًّا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن إضعاف هذا الصوت؟
قد يظن الإنسان أن إسكات المصلح لا يكون إلا بالسجن، أو النفي، أو القتل. غير أن التاريخ يكشف عن وسيلةٍ أخرى أكثر هدوءًا، وربما أشد أثرًا؛ وهي أن يُشغل المصلح عن رسالته، أو يُقدَّم للناس وكأنه أصبح جزءًا من الواقع الذي كان يسعى إلى إصلاحه.
ومن هنا، تكتسب قضية ولاية العهد للإمام علي بن موسى الرضا (ع) أهميتها. فالمؤرخون ذكروا للمأمون دوافع متعددة؛ منها احتواء العلويين، وامتصاص غضب الناس، وإضفاء الشرعية على حكمه، وغير ذلك من الأسباب التي تناولتها كتب التاريخ.
لكن، إلى جانب هذه القراءات، يبرز معنى جدير بالتأمل: أن الإمام الرضا (ع) كان يمثل الامتداد الحي لخط أهل البيت (ع) في هداية الأمة، وإحياء المعروف، ومواجهة الانحراف بالكلمة والموقف. ومن الطبيعي أن يكون هذا الدور الإصلاحي حاضرًا في فهم طبيعة تلك المرحلة.
ولهذا لم يبادر الإمام إلى قبول عرض الخلافة، ولم يكن طالبًا لولاية العهد، بل قبلها مكرهًا، وبعد إلحاحٍ شديد، واشترط منذ البداية ألا يعيّن أحدًا، ولا يعزل أحدًا، ولا يقضي في أمر، ولا يتدخل في شؤون الحكم، وإنما يكون بعيدًا عن إدارة الدولة.
ولم تكن هذه الشروط موقفًا شكليًّا، بل إعلانًا واضحًا بأن قبوله لا يعني تبني سياسات السلطة، ولا التخلي عن موقعه إمامًا وهاديًا للأمة. لقد أراد الإمام أن يحفظ رسالته، وألا تتحول ولاية العهد إلى وسيلةٍ تُفهم منها موافقته على كل ما يجري.
وهكذا، بقي الإمام الرضا (ع) يمارس دوره الحقيقي؛ يعلم الناس، وينشر معارف الإسلام، ويبين الحق، ويهدي إلى المعروف، لأن وظيفة الإمام لم تكن يومًا منصبًّا سياسيًّا، وإنما كانت مسؤوليةً إلهية في حفظ الدين وإحياء ضمير الأمة.
ومن هنا يتضح أن القيمة الحقيقية في حياة الأئمة (ع) لم تكن في قربهم أو بعدهم من مواقع الحكم، وإنما في أنهم لم يسمحوا لأي ظرفٍ أن يسلبهم رسالتهم، أو أن يعطل الدور الذي نهضوا به في هداية الناس، وفي إبقاء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيّةً في وجدان الأمة.
الكلمة التي بقيت حيّة
قد ينجح الإنسان في تقييد حركة المصلح، لكنه لا ينجح بالضرورة في تقييد رسالته. فالكلمة الصادقة لا تستمد قوتها من المنصب، ولا من الحرية الظاهرة، بل من صدق صاحبها وثباته على المبدأ.
ولهذا، فإن الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، بعد قبوله ولاية العهد بالشروط التي أعلنها، لم يتحول إلى رجل دولة منشغل بشؤون السلطة، ولم يتخلَّ عن وظيفته التي حملها منذ نشأته، بل بقي معلمًا للأمة، ومرجعًا للناس، ومبينًا لمعالم الدين.
لقد شهدت تلك المرحلة مناظراته العلمية الكبرى مع أصحاب الملل والنحل، وحواراته التي كشفت عمق علمه، كما شهدت استمرار الناس في الرجوع إليه، يستفتونه، ويتعلمون منه، ويستضيئون بهديه. وهذا يدل على أن الرسالة لم تتوقف، وأن الكلمة لم تُسكت، بل وجدت طريقها إلى القلوب رغم كل الظروف.
وهنا تتجلى حقيقة مهمة؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا محصورين في أسلوبٍ واحد. فقد يكونان بكلمة، أو بموقف، أو بتعليم، أو بتربية جيل، أو بإقامة الحجة على الناس. والإمام الرضا (ع) مارس هذه المسؤولية بكل صورها، فلم يسمح للظروف أن تحوله من إمامٍ هادٍ إلى مجرد شخصيةٍ تحمل لقبًا لا مضمون له.
ولعل هذا من أعظم دروس حياته؛ أن المؤمن لا يقيس نجاحه بما يملكه من مواقع، بل بما يحفظه من مبادئ. فقد تتغير الظروف، وتتبدل الأحوال، لكن الرسالة تبقى هي الرسالة، ما دام صاحبها ثابتًا على الحق، لا يساوم عليه، ولا يتنازل عنه.
وهكذا أثبت الإمام الرضا (ع) أن الإصلاح لا يتوقف إذا ضاق الطريق، وإنما يتوقف حين يفقد الإنسان إيمانه برسالته. أما من حمل كلمة الحق بإخلاص، فإن الله يفتح لها من القلوب ما لا تفتحه المناصب، ولا تغلقه القيود.
حين انقلب المكر على صاحبه
كان المأمون يظن أن قبوله بالإمام الرضا (ع) وليًّا للعهد سيحقق له ما أراد؛ إذ يصبح الإمام جزءًا من المشهد الرسمي، وتنطفئ جذوة الاعتراض، ويخفت صوت الإصلاح، وتفقد فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثرها في وجدان الناس.
لكن الإمام الرضا (ع) كان يرى أبعد من ظاهر الأحداث. فقد قبل ولاية العهد بالشروط التي تحفظ استقلال موقفه، فلم يمنح السلطة شرعية، ولم يتنازل عن مسؤوليته، ولم يتحول إلى شاهد صامت على الانحراف. بل بقي الإمام إمامًا، يبين الحق، ويصحح المفاهيم، ويكشف للناس حقيقة الدين.
وهنا تتجلى سنةٌ قرآنية لا تتخلف، عبّر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
لقد أراد المأمون أن يحاصر الإمام، فإذا بالإمام يحاصر الانحراف بالفكر. وأراد أن يقيّد صوته، فإذا بذلك الصوت يصل إلى آفاقٍ لم يكن ليصل إليها لولا تلك المرحلة. وأراد أن يجعل من ولاية العهد وسيلةً لإسكات الإمام، فإذا بها تتحول إلى منبرٍ عرّف الأمة أكثر بمقام الإمام، وعمّق ارتباطها بأهل البيت (ع).
وهكذا أثبت الإمام الرضا (ع) أن الإصلاح لا يرتبط بالموقع، بل بالموقف. فقد يُحرم الإنسان من السلطة، لكنه لا يُحرم من أداء رسالته، ما دام يحمل الكلمة الصادقة، ويملك الشجاعة في إعلان الحق.
ولعل هذه هي الرسالة الخالدة: قد ينجح الناس في تضييق حركة المصلح، لكنهم لا يستطيعون تعطيل الرسالة التي يحملها إذا كان متصلًا بالله؛ لأن الله هو الذي يتولى حفظ دينه، ويجعل من تدابير أهل الباطل أسبابًا لظهور الحق، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
الأمر بالمعروف… لا يموت برحيل أصحابه
قد يظن بعض الناس أن شهادة الإمام الرضا (ع) كانت نهاية ذلك الموقف، لكن الحقيقة أن الرسالة بقيت، بل ربما ازدادت وضوحًا بعد رحيله.
لقد أثبت الإمام أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا منصبًا يتقلده الإنسان، ولا سلطةً يستمدها من كرسي، وإنما موقفٌ يعيشه حيث كان. فقد يكون الإنسان بعيدًا عن كل أدوات القوة، لكنه يبقى قادرًا على أن يوقظ الضمائر، ويكشف الحق، ويمنع الباطل من أن يتحول إلى حقيقةٍ في عقول الناس.
ولهذا كان الإمام الرضا (ع) مدرسةً في أن الإصلاح لا يتوقف عند تبدل الظروف، وأن المؤمن لا ينتظر البيئة المثالية ليؤدي رسالته، بل يصنع من كل ظرفٍ فرصةً لخدمة دين الله.
ومن هنا نفهم أن قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾
ليس ثناءً على أمةٍ حملت اسم الإسلام، وإنما على أمةٍ أدّت هذه الرسالة. فخيرية الأمة ليست نسبًا، ولا تاريخًا، ولا شعارًا، وإنما مسؤوليةٌ تُحفظ ما دام المعروف حيًّا، ويبهت نورها إذا سكتت عن المنكر.
وهنا تتجلى عظمة موقف الإمام الرضا (ع). فهو لم يدافع عن شخصه، ولا عن موقعه، وإنما حافظ على هذا الأصل العظيم من أصول الدين؛ لأن الأمة إذا اعتادت السكوت، فقدت تدريجيًّا قدرتها على الإصلاح، وأصبح المنكر مألوفًا، والمعروف غريبًا.
ولعل هذا هو الدرس الذي يخلده الإمام في كل عام مع ذكرى شهادته: أن الإصلاح قد يدفع صاحبه ثمنًا باهظًا، لكن الثمن الأكبر هو أن يصمت الإنسان عن الحق وهو قادرٌ على بيانه.
ولهذا بقي الإمام الرضا (ع) شاهدًا على أن الكلمة الصادقة قد تُغتال صاحبها، لكنها لا تُغتال أبدًا؛ لأنها متى خرجت لله، بقيت تعمل في ضمير الأمة، جيلًا بعد جيل.
ويبقى الصوت
ربما كان السؤال الذي افتتحنا به هذه الوقفة: من يخاف من الكلمة؟
وبعد التأمل في سيرة الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، يبدو الجواب أكثر وضوحًا؛ فالذي يخاف من الكلمة ليس من يخالفها في الرأي، وإنما من يدرك قدرتها على تغيير الإنسان، وإيقاظ الضمير، وصناعة الوعي.
ولهذا بقي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم فرائض الإسلام؛ لأنه يحفظ حياة الأمة من الداخل، ويمنعها من أن تعتاد الباطل حتى تظنه حقًا، أو تهجر المعروف حتى تراه غريبًا.
لقد أراد أعداء الرسالة، في كل عصر، أن يُضعفوا هذا الصوت، لكنهم اكتشفوا أن الكلمة التي تخرج لله لا تنطفئ برحيل صاحبها، بل تزداد حضورًا كلما تعاقبت الأجيال. وهذا ما جسده الإمام الرضا (ع) في حياته وشهادته؛ فقد رحل الجسد، وبقي الموقف، وغاب الصوت، وبقي صداه يهدي القلوب إلى اليوم.
إن إحياء ذكرى الإمام الرضا (ع) لا يكتمل بمجرد استذكار مظلوميته، وإنما يكتمل حين نستحضر رسالته، ونجعل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثقافةً نعيشها بالحكمة، والبصيرة، وحسن الخلق، كما أرادها القرآن، وكما جسدها أهل البيت (ع).
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، العاملين بالحكمة، والثابتين على ولاية محمدٍ وآل محمد، وأن يرزقنا في الدنيا الاقتداء بالإمام الرضا (ع)، وفي الآخرة شفاعته، إنه سميعٌ مجيب.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
