مقدمة.
في أي مكان يولد الأمل حين يغيب العدل؟
هل يكفي أن يعرف الإنسان الحق ليعيش به، أم أن هناك امتحانًا أعظم، حيث يُختبر القلب قبل العقل؟
أم أن أخطر الامتحانات هو أن يغيب الميزان الظاهر، ويبقى الإنسان وحده أمام اختياراته، بلا عذر ولا مفر؟
في ليلة النصف من شعبان، وفي يوم مولد الإمام الحجة المهدي (ع)، لم يولد مجرد إنسان، بل وُلد سؤال التاريخ الأكبر: هل يمكن للعدالة أن تغيب؟ وهل يترك الله هذا العالم بلا قائد حيّ للحق؟
هذه الأسئلة ليست فلسفة ذهنية، بل واقع يعيشه الإنسان المعاصر، في عالم تتكدس فيه القوانين بينما يندر فيه العدل، وتُرفع فيه الشعارات بينما يضيع فيه الضمير. الإمام المهدي (ع) هو الجواب الإلهي على هذا القلق الإنساني: حضور حيّ، حتى في زمن الغياب، ونور لا ينطفئ وإن حُجب عن الأبصار.
الإمامة: ضرورة وجودية.
الإمامة ليست منصبًا سياسيًّا، ولا وجاهة اجتماعية، بل امتداد طبيعي لمنطق النبوة والحكمة الإلهية. حين قال الله تعالى لإبراهيم (ع): ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ لم يكن يتحدث عن تكريم شخصي، بل عن تأسيس ميزان دائم للهداية. وحين قيّد هذا العهد بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، رسم ملامح القيادة التي لا تنفصل عن العدالة.
الإمام المهدي (ع) ليس فكرة غيبية معلّقة، بل ضرورة وجودية لحفظ المعنى بعد ختم الوحي، وحماية الدين من التحريف، ومنع الحق من أن يتحول إلى رواية تاريخية بلا أثر حي.
الغيبة: امتحان الأمة.
غيبة الإمام ليست انقطاعًا عن العالم، بل امتحانًا طويل النفس لوعي الإنسان. في زمن الحضور يُختبر الناس بالطاعة، أما في زمن الغياب فيُختبرون بالبصيرة والثبات وتحّمل المسؤولية دون شاهد معصوم ظاهر.
قال الإمام الصادق (ع): “لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، ليتميّز فيها أهل الحق من أهل الباطل”.
وفي توقيعه الشريف، يوضّح الإمام المهدي (ع) معنى هذا الحضور الغائب بقوله: “وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها السحاب”. الشمس لا تُرى، لكن الحياة لا تتوقف، وكذلك الحجة؛ وجوده أمان، حتى حين لا يُرى.
المشروع الإنساني للحجة.
الإمام المهدي (ع) ليس أمل فئة بعينها، بل وعدٌ إلهي للإنسانية جمعاء. حين قال النبي (ص): “لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي”، لم يكن يتحدث عن انتصار طائفي، بل عن إنقاذ المسار الإنساني حين يختنق بالظلم.
الانتظار في مدرسة أهل البيت ليس حالة سكون، بل مسؤولية أخلاقية. قال أمير المؤمنين (ع): “أفضل العبادة انتظار الفرج”، لأنه انتظار يُلزم الإنسان بأن يعيش العدل قبل ظهوره، وأن يرفض الظلم قبل قيامه، وأن يكون مستقيمًا لأنه يعلم أن الميزان قائم، وإن غاب صاحبه.
معرفة الحجة: ميزان الضمير.
من أعمق ما ورثناه عن أهل البيت (ع) هو التركيز على معرفة الحجة. يقول الإمام الصادق (ع) في الدعاء المعروف: “اللهم عرّفني نفسك… عرّفني رسولك… عرّفني حجتك، فإنك إن لم تعرّفني حجتك ضللت عن ديني”.
هذه المعرفة ليست معلومات، بل بوصلة؛ لأن الحجة ليست فكرة نؤمن بها، بل مرآة نقيس بها أنفسنا؛ فمن لم يحتمل نورها في الغياب، فلن يحتمل عدلها في الظهور. وكم من إنسان عرف الحق اسمًا، ثم ضلّ عنه موقفًا، لأنه فقد هذا الميزان الحي.
الخلاصة.
ليست الغيبة فراغًا في التاريخ، بل امتحانًا للإنسان في أصدق لحظاته. الإمام المهدي (ع) لم يُغيَّب ليُعلَّق العدل إلى أجلٍ مجهول، بل ليُختبر الإيمان حين يغيب الشاهد الظاهر. أخطر ما يصيب فكرة الانتظار أن تتحول إلى تديّن بلا مسؤولية، أو حبٍ لا يكلّف صاحبه شيئًا. فالإمام لا ينتظر دموعًا ولا شعارات، بل ينتظر وعيًا يسبق العاطفة، وعدلًا يُمارَس قبل أن يُنادى به، وصدقًا يصمد حين لا يراه أحد. الغيبة لم تُبعد الإمام عن العالم، بل كشفت العالم أمام نفسه. ومن لم يجد نفسه اليوم في ميزان هذا الغياب، فليخشَ أن يكون قد عرف الحق يومًا… ثم اعتاد الوقوف بعيدًا عنه وهو يظن نفسه من المنتظرين.
اللهم عرّفنا نفسك، وعَرّفنا رسولك، وعَرّفنا حجتك، واجعلنا من الذين يعرفون الحق فيتبنونه، ويعملون به، ويصبرون على تحقيقه، ولا تجعلنا ممن يعرفون الحق ثم يضيعونه.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
