مقدمة
قد يكون أخطر ما يحدث لعلاقتنا بالقرآن أن نطمئن إلى أننا فهمناه.
ليس لأن الفهم خطأ، بل لأن الإنسان حين يطمئن إلى أنه أدرك المعنى قد يتوقف عن السؤال، وحين يتوقف السؤال يبدأ النص الذي كان يوقظه في التحول إلى شيء مألوف؛ نقرأه كما قرأناه بالأمس، ونمر على كلماته كما مررنا عليها عشرات المرات، حتى يصبح المألوف حجابًا لا نراه.
وهذه إحدى المفارقات العجيبة في علاقتنا بالقرآن: قد نحفظ الآية، ونعرف معناها العام، ونستطيع أن نشرحها لغيرنا، ثم نكتشف بعد سنوات أن كلمة صغيرة فيها كانت تحمل سؤالًا لم نسأله، وأن حرفًا لا يكاد يلفت النظر كان يقف في مكانه منذ قراءتنا الأولى، ينتظر فقط أن نبطئ قليلًا.
فليس كل ما اعتدنا رؤيته قد رأيناه فعلًا، وليس كل ما عرفناه قد تأملناه.
ولعل القرآن من أكثر الكتب التي تكشف للإنسان هذه الحقيقة؛ فالنص لا يتغير، لكن القارئ يتغير. وما كان يمر أمامه بالأمس مرورًا عابرًا قد يتحول اليوم إلى باب من أبواب الفهم، لا لأن القرآن أضاف إليه شيئًا، وإنما لأن الإنسان هذه المرة جاء إليه بعين أخرى.
ومن الآيات التي يمكن أن توقفنا عند هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. (سورة التوبة، الآية 60).
نقرأها عادة فنرى مصارف الزكاة، ونمضي.
لكن ماذا لو أبطأنا قليلًا؟
للفقراء… للمساكين… للعاملين عليها… للمؤلفة قلوبهم…
ثم نتوقف عند قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.
لماذا لم يقل: وللرقاب كما قال: للفقراء وللمساكين؟
ما الذي حدث بين اللام و”في”؟
قد يبدو السؤال صغيرًا أمام آية تتحدث عن المال والزكاة ومصارفها، لكنه من تلك الأسئلة التي تبدو صغيرة في بدايتها، ثم تكتشف أنها كانت تنتظر منك أن تفتح بابًا أكبر: ما معنى أن تعطي؟ وما قيمة المال حين يخرج من يدك؟ وهل العطاء دائمًا انتقال مال من إنسان إلى آخر، أم قد يكون انتقال إنسان من حال إلى حال؟
هنا يبدأ الحرف في الكلام.
الحرف الذي أوقف المعنى
حين نقرأ القرآن قراءة عابرة، نبحث غالبًا عن ماذا تقول الآية؟ أما حين نقترب منه بعين التدبر، فإن السؤال يتغير قليلًا: لماذا قالت الآية ما قالت بهذه الطريقة؟ ولماذا اختارت هذا اللفظ دون غيره؟
والفرق بين السؤالين هو، في جانب منه، الفرق بين أن تمر على الآية وأن تقف عندها.
في هذه الآية تتقدم أربعة أصناف بصيغة اللام: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، ثم يأتي التعبير: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. وبعدها تتنوع الصياغة، فيقال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، ثم ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ثم ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
وهذا الاختلاف لا ينبغي أن نحمله وحده أكثر مما يحتمل، فلا نستخرج حكمًا فقهيًّا كاملًا من حرف مجرد؛ لكن اللغة تفتح لنا السؤال، والسياق يوسعه، والتفسير والروايات تكشف لنا ما يؤيده ويبينه.
فاللام في صدر الآية تفيد الاختصاص والاستحقاق، بينما تأتي “في” في مثل ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ لتلفت إلى جهة الصرف والمورد الذي يوضع فيه المال.
وفجأة يتغير السؤال.
لم يعد فقط: من يأخذ المال؟
بل أصبح: في ماذا ينبغي أن يوضع المال حتى تتحقق الغاية التي أرادها الله؟
وعندما نرجع إلى التفسير، نجد أن هذا التوقف اللغوي ليس مجرد لعبة مع الألفاظ؛ فالسيد الطباطبائي في الميزان يلفت إلى اختلاف التعبير ودلالته، كما تتجه التفاسير إلى أن ﴿فِي الرِّقَابِ﴾ تعني الصرف في الجهة التي يتحقق بها تحرير الرقاب وفك القيد عنها، ومن مصاديق ذلك ما يرتبط بالمكاتب ونحو ذلك من موارد التحرير التي تناولتها الروايات والفقه.
وهكذا يأخذ السؤال الصغير حجمه الحقيقي.
بدأنا بحرف، وانتهينا أمام إنسان مقيد يحتاج إلى أن يتحول المال من رقم في يد شخص، إلى وسيلة في طريق حريته.
وهنا لا يعود اختلاف التعبير مجرد دقة لغوية، بل يصبح مدخلًا إلى معنى أوسع: ليست العبرة دائمًا باليد التي يصل إليها المال، وإنما بالغاية التي يصل إليها.
فإذا كان الأمر كذلك، فربما كان السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده أكثر: كم من مرة ظننا أننا أعطينا، بينما كان القرآن يريد منا أن نسأل أولًا: ماذا ينبغي أن يصنع هذا العطاء؟
حين يصبح المال طريقًا إلى الإنسان
نحن نميل إلى النظر إلى المال بوصفه شيئًا نملكه. يدخل إلى أيدينا فنعدّه مالنا، ثم إذا أخرجناه منها شعرنا أننا تخلينا عن شيء يخصنا. ولهذا كثيرًا ما نقيس العطاء بمقدار ما خرج منا، لا بمقدار ما تغيّر بسبب ما خرج منا.
لكن القرآن يفتح أمامنا زاوية أخرى.
في ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ لا تقف الصورة عند إنسان محتاج إلى مال، وإنما تمتد إلى القيد الذي ينبغي أن يُزال عنه. يصبح المال وسيلة لتحرير إنسان، وتتحول الزكاة من مجرد انتقال شيء من ملك إلى ملك إلى فعل تتغير به حياة إنسان.
ولذلك يبدو التعبير بالغ الدقة؛ فالمقصود في هذا السهم ليس أن تكون “الرقاب” مجرد مستحقين يتملكون المال بالصورة المعتادة، وإنما أن يصرف المال في الجهة التي يتحقق بها فك الرقبة وتحريرها، ومن مصاديق ذلك ما ورد في شأن المكاتب ونحو ذلك.
وهنا يتبدل مفهوم العطاء نفسه.
قد تعطي مالًا فينتهي أثره عند لحظة الأخذ، وقد تعطيه فينتهي أثره عند قضاء دين، وقد تعطيه فيفتح بابًا أغلقه العجز، وقد تعطيه فيكون ثمنًا لحرية إنسان. المال واحد في ظاهره، لكن المعنى الذي يحمله ليس واحدًا؛ لأن قيمة المال لا تُقاس دائمًا بما يشتريه، وإنما بما يحرره، وبما يصلحه، وبما يعيده إلى الإنسان من قدرة على أن يعيش بكرامة.
وكأن القرآن لا يسألنا فقط: أين تضع مالك؟
بل يدربنا على سؤال أعمق: ما الذي ينبغي أن يصنعه مالك؟
وهذا السؤال وحده قادر على تغيير نظرتنا إلى العطاء. فالمال الذي يخرج من يدك ليس بالضرورة مالًا يضيع؛ قد يكون هو المال الذي يبدأ، للمرة الأولى، في أداء وظيفته الحقيقية.
لكن الآية لا تترك هذه الحركة المالية مفتوحة لرغبة الإنسان وتقديره؛ فبعد أن ذكرت المصارف قالت: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.
وهنا يتغير السؤال مرة أخرى.
لم نعد نسأل عن المال وحده، بل عن الإنسان الذي يملكه.
فإذا كان ما يخرجه فريضة من الله، فهل ما في يده كله متروك لهواه؟
حين يصبح العطاء طاعة
ربما نحب أن نرى أنفسنا كرماء لأننا نعطي، ونشعر أن أجمل ما في الصدقة أن الإنسان يختار من يساعد، ومتى يساعد، وكيف يساعد. وهذا باب واسع من أبواب الرحمة والإحسان، لكنه ليس الصورة نفسها حين نتحدث عن الزكاة الواجبة.
فالزكاة ليست مجرد عاطفة تجاه المحتاج، ولا مجرد قرار شخصي بأن أخرج من مالي شيئًا للفقراء، وإنما هي فريضة من الله؛ ولذلك لم يترك القرآن مصارفها لتقدير الإنسان المطلق، بل سمّى جهاتها وحددها.
وهنا يظهر الفرق بين الزكاة الواجبة والصدقة المستحبة.
الصدقة المستحبة باب واسع من أبواب البر، تتعدد فيه وجوه الإحسان بحسب الحاجة والمصلحة؛ قد تعين بها محتاجًا، أو تطعم جائعًا، أو تفرج كربة، أو تقضي حاجة، أو تبذلها في وجوه الخير. أما الزكاة الواجبة فليست مجرد “صدقة أكثر أهمية”، وإنما هي حق فرضه الله، ولذلك ترتبط بمصارفها وأحكامها.
في الصدقة المستحبة مساحة واسعة لاختيارك؛ أنت تفتح من مالك بابًا للبر.
أما في الزكاة الواجبة فأنت لا تبدأ من سؤال: أين أحب أن أعطي؟
بل من سؤال آخر: أين جعل الله لهذا الحق موضعًا؟
وهنا يظهر معنى قد يغيب عنا وسط حديثنا عن الكرم: أن المال قد يكون في يدك، لكنه ليس بالضرورة متروكًا لهواك.
فالإنسان يحب أن يشعر أن ما يملكه يعبّر عن إرادته، لكن الزكاة تذكره بأن الملكية ليست نهاية القصة؛ ففي المال حق، وحين يأتي وقت هذا الحق لا يعود الإنسان هو الذي يحدد وحده أين يذهب، لأن الأمر قد سبقه من الله.
قد يتصدق الإنسان لأن قلبه رقّ، وقد يزكي لأنه علم أن في ماله فريضة.
في الأولى يظهر كرمه، وفي الثانية يظهر ـ إلى جانب كرمه ـ امتثاله.
وهنا يصبح العطاء أعمق من مجرد فعل مالي؛ إنه اللحظة التي يتراجع فيها اختيار الإنسان خطوة، ليأتي اختيار الله في المقدمة.
ولعل هذه هي النقلة التي كانت الآية تقودنا إليها منذ البداية: لم يكن الأمر متعلقًا بحرف يتغير من “اللام” إلى “في” فحسب، ولا بمال ينتقل من يد إلى أخرى فحسب، وإنما بطريقة الإنسان في فهم ما بين يديه.
فالقرآن لا يعلمنا فقط أن نعطي، بل أن نفهم لماذا نعطي، وأين نعطي، ولمن نعطي، وما الذي يريده الله من عطائنا.
وحين نصل إلى هذه النقطة، يعود الحرف الأول ليطرح علينا سؤالًا آخر، لكنه هذه المرة لا يتعلق بالآية وحدها.
كم من الأشياء في القرآن نعرف معناها، لكننا لم نتوقف يومًا لنسأل: لماذا قيلت بهذه الطريقة؟
حين نقرأ ببطء
ربما كانت الحكاية في نهايتها أبسط مما ظننا، وأعمق مما توقعنا.
بدأنا من سؤال صغير: لماذا قال الله ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ولم يقل: وللرقاب؟
ثم قادنا السؤال من الحرف إلى جهة الصرف، ومن جهة الصرف إلى معنى تحرير الإنسان، ومنه إلى حقيقة العطاء، ثم إلى الفرق بين الصدقة التي يختارها الإنسان والحق الذي فرضه الله، حتى وجدنا أنفسنا في النهاية أمام سؤال لا يتعلق بالزكاة وحدها، بل بعلاقتنا بالقرآن نفسه.
فالقرآن لا يفقد شيئًا حين نقرأه بسرعة، لكننا نحن الذين نفقد أشياء كثيرة.
الآية تبقى كما هي، والحرف يبقى في موضعه، والمعنى الذي أودعه الله فيها لا ينقص لأننا مررنا عليه مسرعين؛ الذي ينقص هو نصيبنا نحن من ذلك المعنى.
كم من كلمة قرأناها حتى ألفناها؟
وكم من حرف تجاوزناه لأن همّنا كان أن نصل إلى آخر الصفحة؟
وكم من آية عرفنا معناها العام، ثم لم نسأل أنفسنا مرة: لماذا اختار الله هذا اللفظ دون غيره؟ ولماذا جاءت هذه الكلمة هنا، وتلك هناك؟
ولعل التدبر لا يبدأ دائمًا حين نعرف أكثر، وإنما حين نستعجل أقل.
أن تقرأ الآية، ثم تعود إليها، فتجد أن الكلمة التي عبرت فوقها عشر مرات هي التي توقفت عندها في المرة الحادية عشرة. وأن ترى اختلافًا صغيرًا في التعبير، فلا تتكلف له معنى لم يقله القرآن، ولا تكتفي في المقابل بقولك: لا بد أن وراءه سرًا، وإنما تسأل، وتبحث في اللغة، وتعود إلى التفسير، وتنظر في روايات أهل البيت (ع)، حتى يتحول السؤال من دهشة عابرة إلى فهم، ومن الفهم إلى وعي.
فالتدبر ليس أن نستخرج من كل حرف سرًّا خفيًّا، وإنما أن نتعلم كيف لا نمر على كلام الله مرور العابرين.
وربما لهذا لا يكون القرآن كتابًا نقرأه فحسب، بل كتابًا يعيد تدريب أعيننا على النظر؛ يجعلنا نكتشف أن الفارق الصغير قد يحمل معنى كبيرًا، وأن ما يبدو تفصيلًا في العبارة قد يقود إلى تحول في الفكرة، وأن الإنسان كلما ظن أنه انتهى من الآية، اكتشف أن الآية ما زالت تملك شيئًا لم يره.
بدأنا من لام، ووصلنا إلى “في”، لكن ربما لم يكن الحرف هو الذي تغيّر.
ربما الذي كان يحتاج إلى التغيير هو نحن.
ولهذا، حين نغلق المصحف بعد اليوم، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم قرأت؟
ولا حتى: كم فهمت؟
بل: ما الشيء الذي كنت أمرّ عليه دائمًا، ثم توقفت عنده هذه المرة؟
فقد تكون آية واحدة أبطأت عندها أعمق أثرًا فيك من صفحات كثيرة قرأتها بعجلة، وقد يكون حرف صغير في كتاب الله قادرًا على أن يفتح بابًا كبيرًا، لا في معنى الآية وحدها، وإنما في طريقة نظرك إلى القرآن كله.
وربما، في نهاية الأمر، لا يكون القرآن بحاجة إلى قارئٍ يسرع في الوصول إلى آخره، بقدر ما يحتاج إلى قارئ يعرف متى يتوقف.
فليس الحرف هو الذي كان يحتاج إلى أن يتكلم، بل نحن الذين كنا نحتاج أن نصمت قليلًا حتى نسمعه.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
