مقدمة
لم أكن أظن أن الإنسان يمكن أن يتلقى في يومين متتاليين هذا القدر من الدروس دون أن يفتح كتابًا أو يجلس في مجلس وعظ. لكن ما حدث في الأيام الماضية جعلني أشعر أن للموت مدرسةً أخرى؛ مدرسة لا تحتاج إلى معلّم، ولا إلى موعد، ولا إلى كلمات كثيرة. يكفي أن تقف أمام جنازة، أو تمشي خلف نعش، أو ترى قبرًا يُفتح ثم يُغلق، حتى يبدأ الدرس.
أثناء مشاركتي في تشييع خالتي (رحمها الله)، لم أكن أعلم أنني سأخرج من المقبرة وأنا أحمل في داخلي أكثر من حزن الفقد. كانت في المقبرة في ذلك اليوم أربع جنازات؛ امرأة ورجلان إلى جانب خالتي، وكانت صلاة الجنازة تتكرر جثمانًا بعد جثمان، والناس تتوافد للصلاة والتشييع. كان المشهد مهيبًا إلى درجة جعلتني أشعر وكأننا أمام صورة صغيرة من ذلك اليوم الذي يجتمع فيه الخلق جميعًا، فلا يبقى للإنسان فيه إلا ما قدّم.
ثم وقع موقف صغير في ظاهره، لكنه بقي عالقًا في ذهني. بعد الصلاة حُملت جنازتان لامرأتين في الوقت نفسه، خالتي وامرأة أخرى، واتجهت كل جنازة في طريق وسط ذلك الزحام. تأخرت قليلًا، فلم أعد أعرف أي الجنازتين هي جنازة خالتي: أهذه التي ذهبت إلى اليمين أم تلك التي اتجهت إلى اليسار؟ توقفت أسأل من حولي حتى دلّني أحد الأقارب عليها.
قد يبدو الأمر عابرًا، لكنه فتح أمامي بابًا من التفكير: إذا كان الإنسان في مقبرة يعرف فيها أهله وأقاربه، وفي جنازتين فقط، قد يلتبس عليه الأمر في لحظات الزحام، فكيف تكون أحوال من يفقدون أحباءهم في الكوارث والحروب والزلازل، حين تختلط الجثث وتتعدد المآسي، ويصبح البحث عن إنسان واحد وسط عشرات أو مئات الضحايا مهمة تتجاوز قدرة البشر؟
وفي اليوم التالي جاء خبر آخر لم نكن نتوقعه: لحق خالتي أخوها، فرحل في اليوم التالي مباشرة. أخت وأخوها في يومين متتاليين. وبين جنازتين متقاربتين، وجدت نفسي أمام حقيقة لا تحتاج إلى كثير شرح: نحن جميعًا عابرون، وما نظنه ثابتًا في حياتنا يمكن أن يتغير في لحظة.
لكن الموت، على قسوته، لم يعلّمني الحزن وحده. علّمني أن الفاجعة قد تجمع من فرّقتهم مشاغل الحياة. رأيت الأهل والأقارب يأتون من أماكن بعيدة، ورأيت وجوهًا لم ألتقِ بها منذ سنوات، ورأيت أجيالًا مختلفة تجلس في مكان واحد؛ الكبير إلى جانب الصغير، والأخ إلى جانب أخيه، والجميع جاءوا لأن الموت ذكّرهم بأن روابط الدم والمحبة أكبر من أن تتركها الأيام تضعف.
وهنا أدركت أن للموت وجهًا آخر لا نلتفت إليه كثيرًا؛ فهو لا يأخذ الأحبة فقط، بل يكشف لنا أيضًا من بقي في القلب، ومن بقي على العهد، ومن يقطع المسافات ليقف إلى جانبك حين تنكسر.
وفي وسط هذا كله، كان هناك درس آخر. افتقدت شخصًا عزيزًا في مجلس العزاء، ثم اكتشفت أن أخاه مصاب بمرض السرطان وأنه كان إلى جانبه يرعاه. في لحظة واحدة تغيّر معنى الغياب في داخلي، وفهمت أن الإنسان لا يعرف دائمًا ما الذي يحمله الآخرون من هموم لا تظهر على وجوههم.
ثم وجدت نفسي أراجع حياتي أنا. فقد اضطررت بسبب هذه الأيام إلى ترك العمل، وتعليق بعض الدروس، وتأجيل بعض الالتزامات، والبقاء في الأحساء أيامًا أكثر مما كنت أخطط. وكأن الموت، من حيث لا أشعر، جاء ليعيد ترتيب قائمة الأولويات أمامي؛ أشياء كنت أظنها عاجلة فإذا بها تنتظر، وأشياء كنت أؤجلها فإذا بها تستحق أن أتوقف عندها.
ولعل هذا هو الدرس الأكبر: أن الموت لا يعظنا حين يموت الآخرون فقط، بل حين يجعلنا نكتشف أننا نحن أيضًا في الطريق نفسه.
ومن هنا بدأ السؤال يكبر في داخلي: كم مرة احتجنا إلى جنازة لنتذكر ما كان ينبغي أن نتذكره ونحن أحياء؟ وكم درسًا علّمنا إياه الموت، بينما عجزت عن تعليمه لنا الكتب والمجالس والكلمات؟
ربما لأن الموت لا يتحدث إلينا من بعيد؛ إنه يقف أمامنا صامتًا، ويقول لنا شيئًا واحدًا لا يحتاج إلى ترجمة: سيأتي دورك أنت أيضًا.
ومن هنا يبدأ الدرس.
كفى بالموت واعظًا
يقول رسول الله (ص): “كفى بالموت واعظًا، وكفى بالتُّقى غنىً، وكفى بالعبادة شُغلًا، وكفى بالقيامة مَوئلًا، وبالله مجازيًا”.
هذه الكلمات تبدو قصيرة، لكنها حين يضع الإنسان نفسه في مواجهة الموت يشعر أنها تختصر مدرسة كاملة. فالإنسان قد يسمع عشرات المواعظ عن فناء الدنيا، وقد يقرأ صفحات طويلة عن الآخرة، لكنه يظل قادرًا على تأجيل أثرها، لأن الكلام مهما بلغ من القوة يبقى كلامًا ما لم يتحول إلى تجربة توقظ القلب.
أما الموت فلا يمنح الإنسان هذه المسافة.
حين ترى الجنازة أمامك، وتعرف أن صاحبها كان بالأمس يعيش بين أهله، وله أعماله ومواعيده ومشاريعه وأمنياته، ثم تراه اليوم محمولًا إلى قبره، فإن الحقيقة التي كانت بعيدة تصبح قريبة جدًا. وحين تتتابع الجنازات أمام عينيك، كما رأيت في ذلك اليوم في المقبرة، لا يعود الموت خبرًا تسمعه عن الآخرين، بل يصبح سؤالًا يقترب منك أنت.
ولهذا قال رسول الله (ص): “كفى بالموت واعظًا”؛ لأن الموت لا يحتاج إلى خطبة حتى يعظ، ولا إلى كثرة الكلام حتى يقنع. يكفي أن يقف أمامك حتى تسقط كثير من الأوهام التي نصنعها حول حياتنا.
فالإنسان يخطط للمستقبل وكأنه يملكه، ويؤجل بعض الأعمال وكأن أمامه عمرًا مضمونًا، وينشغل بأشياء تبدو له في لحظتها عظيمة، ثم تأتي جنازة واحدة فتضع كل ذلك أمامه في ميزان آخر.
وهنا يتجلى معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
لم يقل سبحانه إن بعض النفوس تذوق الموت، ولا إن الموت يخص مرحلة معينة من العمر؛ بل جعلها حقيقة عامة لا يستثنى منها أحد. ثم نقلنا مباشرة من حقيقة الموت إلى حقيقة الحساب، وكأن الآية لا تريدنا أن نقف عند سؤال: متى أموت؟ وإنما تريد أن نصل إلى السؤال الأهم: ماذا سأجد عندما أموت؟
وفي المقبرة أدركت أن الموت لا يذكّر الإنسان بنهايته فقط، بل يذكّره بضعفه. فذلك الإنسان الذي يقضي عمره وهو يظن أنه يدير شؤونه بنفسه، يحتاج في آخر الطريق إلى من يحمله، ومن يغسله، ومن يصلي عليه، ومن يحفر له قبره، ثم يُترك وحيدًا في موضع لا يحمل معه إليه شيئًا من مظاهر الدنيا.
وقد قال أمير المؤمنين (ع): “فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ؛ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ”.
ما أشد وقع هذه الكلمات بعد مشاهدة الجنازات! فالطريق واحد، وإن اختلفت أعمارنا ومنازلنا وأعمالنا. الذين سبقونا لم يكونوا يظنون أن لحظة الرحيل قريبة، ونحن أيضًا لا نملك أن نعرف متى يأتي دورنا.
ومن هنا يصبح الموت واعظًا حين يعيد ترتيب السؤال في داخل الإنسان. بدل أن يسأل: كم بقي لي؟ يبدأ بالسؤال: ماذا صنعت بما مضى؟ وبدل أن ينشغل فقط بتأمين مستقبل الدنيا، يبدأ بالتفكير في المستقبل الذي لا يملك أحد أن يعود منه ليصحح شيئًا.
إن أعظم ما يفعله الموت في الإنسان الواعي أنه يحوّل المعرفة إلى يقظة. فنحن نعرف أن الموت حق، لكننا لا نعيش دائمًا كما لو كنا نعرف ذلك. نعرف أن الدنيا فانية، لكننا نتصرف أحيانًا وكأنها دار إقامة. نعرف أن لكل إنسان نهاية، لكننا نؤجل التوبة، ونؤخر الصلح، ونترك الخير إلى وقت آخر.
ثم يأتي الموت في لحظة واحدة ليقول لنا: ليس كل ما تؤجله سيبقى متاحًا لك.
وهنا أدركت أن عبارة النبي (ص) ليست مجرد موعظة عن الموت، بل دعوة إلى أن نجعل الموت حاضرًا في طريقة عيشنا، لا حاضرًا في لحظة دفننا فقط.
فالموت لا يريد منا أن نعيش خائفين من نهايتنا، وإنما يريد أن نعيش واعين بقيمة حياتنا؛ أن نعرف لماذا نحن هنا، وماذا نريد أن نحمل معنا حين نغادر.
وعندها يصبح السؤال الذي يتركه الموت في القلب أعمق من الخوف من الرحيل: إذا كان الموت قادرًا على أن يجمعنا في ساعة واحدة، فلماذا نترك الحياة تفرّقنا ونحن أحياء؟
حين يجمع الموت من فرّقتهم الحياة
ربما يكون الموت أكثر الأشياء قدرةً على جمع الناس، مع أنه أكثر الأشياء إيلامًا في الفقد. ففي الأيام التي قضيتها في الأحساء، رأيت شيئًا لم يكن في مقدور مناسبة عادية أن تصنعه بسهولة: رأيت العائلة الكبيرة تجتمع.
جاء الأقارب من مدن مختلفة، وقطع بعضهم مسافات طويلة ليقدم العزاء، واجتمعت وجوه لم أر بعضها منذ سنوات. رأيت كبار السن إلى جانب الشباب، ورأيت الأطفال الذين كبروا وتغيرت ملامحهم حتى صرت أسأل: هذا ابن من؟ وهذا حفيد من؟ وكأن السنوات التي فرّقتنا في زحام الحياة تراجعت فجأة أمام لحظة واحدة، وجعلتنا نجلس جميعًا في المكان نفسه.
ولم يكن اجتماعنا بسبب مناسبة سعيدة أو موعد خططنا له منذ زمن، وإنما بسبب غياب إنسان. وكأن الموت، في لحظة أخذه لأحدنا، يذكّر الباقين بأنهم ما زالوا يملكون فرصة اللقاء.
وهنا تذكرت قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
فالحياة بطبيعتها تفرّق الناس؛ هذا يأخذه عمله، وذاك تأخذه أسرته، وثالث تشغله دراسته، ورابع تبعده مدينة أخرى، حتى تمر السنوات ويصبح اللقاء أمرًا مؤجلًا دائمًا. لكن الموت يكشف لنا فجأة أن بعض الأشياء التي كنا نظن أن لدينا وقتًا طويلًا لإصلاحها أو استعادتها قد لا تبقى أمامنا إلى الأبد.
والأجمل في تلك الأيام أنني رأيت معدن الناس.
هناك من جاء من مسافة بعيدة، لا لأن بينه وبين الميت مصلحة، ولا لأنه كان مطالبًا بالحضور، وإنما لأن المحبة دفعته إلى أن يكون حاضرًا. وهناك من حضر ليقف إلى جانب أهل المصاب؛ لأن الإنسان في لحظة انكساره لا يحتاج إلى كثير كلام، بقدر حاجته إلى أن يرى من يحبهم حوله.
وهذا أحد الدروس التي علّمني إياها الموت: أن قيمة الإنسان لا تظهر فقط فيمن يحبهم، بل فيمن يحضرون عندما يحتاج إليهم.
وفي تلك الأيام شعرت أن الموت، رغم أنه يأخذ واحدًا منا، يوقظ في الباقين شيئًا كان يمكن أن ينام طويلًا: صلة الرحم، والسؤال عن الأقارب، وزيارة من انقطعت زيارته، وإعادة اكتشاف أن لنا عائلة وأهلًا وأحبة قد لا نلتقي بهم إلا عندما تهزنا فاجعة.
لكن الموت لا يكشف لنا فقط من حضر، بل يعلمنا أيضًا ألا نحكم على من غاب.
في مجلس العزاء افتقدت شخصًا عزيزًا عليّ، وكنت أتوقع حضوره، ثم التقيته بعد ذلك وسألته عن سبب غيابه. فكان جوابه مؤلمًا ومؤثرًا في الوقت نفسه: كان أخوه مصابًا بالسرطان، وكان إلى جانبه يرعاه ويقوم على علاجه، ولم يكن قادرًا على تركه في تلك الظروف.
في لحظة واحدة تغيّر السؤال في داخلي. ما كنت أراه غيابًا، اكتشفت أن وراءه ألمًا آخر لا أعرفه.
وهنا علّمني الموت درسًا لا يقل أهمية عن درس الفقد: لا تحكم على الناس من المشهد الذي تراه.
قد ترى إنسانًا غائبًا ولا تعرف ما الذي منعه، وقد ترى إنسانًا صامتًا ولا تعرف ماذا يحمل في قلبه، وقد تظن أن شخصًا لم يهتم، بينما هو في مكان آخر يخوض معركة لا يراها أحد.
وهكذا لم يكن العزاء مجرد مجلس لتلقي التعازي، بل كان درسًا في الإنسان نفسه؛ في رحمته، ومحبة أهله، ووفائه، وصبره، وفي ضرورة ألا نستعجل الحكم على الآخرين.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الموت فينا أنه يجعلنا أكثر حرصًا على أن نصل من بقي قبل أن يصبح الوصول إليه مستحيلًا.
فكم من قريب نستطيع أن نزوره اليوم ولا نفعل، وكم من كلمة محبة نستطيع أن نقولها اليوم ونؤجلها، وكم من خصومة يمكن أن تنتهي باتصال واحد، ثم يأتي الموت ليجعلنا نتمنى لو أننا فعلنا ذلك قبل فوات الأوان.
الموت إذن لا يجمع الأحياء حول الميت فقط؛ بل يمنح الأحياء فرصة ليتذكروا أنهم ما زالوا أحياء.
حين يعيد الموت ترتيب حياتنا
لم أتصور أن أيام العزاء يمكن أن تعيد ترتيب حياتي بهذه الصورة. جئت إلى الأحساء لأيام معدودة، ثم وجدت نفسي أبقى يومًا بعد يوم؛ فقد بدأت الفاتحة للخالة، ثم جاء خبر وفاة أخيها في اليوم التالي، فتحولت الأيام القليلة إلى إقامة أطول، وتغيرت معها حساباتي التي كنت أظن أنها لا تتغير.
تركت العمل، وابتعدت عن المؤسسة، وتوقفت عن حضور بعض دروسي في الحوزة، وتعذر عليّ حضور دروس أخرى، وأجلت بعض الالتزامات الدراسية التي أحرص عليها. وفي الظروف العادية ربما كنت سأشعر أن هذه الأيام تعطل برنامجي وتؤخر أعمالي، لكنني هذه المرة نظرت إليها بطريقة مختلفة.
اكتشفت أن الإنسان كثيرًا ما يعيش وهو يضع قائمة طويلة لما يجب أن يفعله، ثم يأتي الموت ليأخذ ورقةً من يده ويقول له: ليست كل الأولويات التي وضعتها أولويات حقيقية.
فالعمل مهم، والعلم مهم، والمسؤوليات مهمة، والالتزامات التي نحملها في حياتنا لها قيمتها، لكن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يتوقف ليتذكر أن وراء كل هذه الأشياء حياة أخرى تنتظره، وأن الوقت الذي يظن أنه يملكه ليس ملكًا مطلقًا له.
وقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُون﴾.
ما أشد وقع هذه الآية حين يعيش الإنسان أيامًا يرى فيها الموت قريبًا منه. فالمشكلة ليست أن الإنسان لا يريد العمل، بل أنه قد يؤجل العمل الصالح، ويؤجل الصلح، ويؤجل زيارة الأهل، ويؤجل التوبة، ويؤجل ما ينبغي أن يقدمه لله، وكأن كلمة “غدًا” مضمونة له.
لكن الموت لا يعرف جدول أعمالنا.
قد نخطط ليوم الغد، ثم لا يأتي الغد. وقد نؤجل لقاءً إلى الأسبوع المقبل، ثم يصبح الأسبوع المقبل ذكرى. وقد نظن أن لدينا وقتًا طويلًا لإنهاء ما بدأناه، ثم يأتي خبر واحد ليغيّر كل شيء.
وهذا ما جعلني أعيد النظر في معنى الأولويات. لم يكن بقائي في الأحساء تعطيلًا لحياتي، بل كان جزءًا من حياتي نفسها؛ أن أكون مع أهلي في مصابهم، وأن أقف إلى جانب من يحتاج إلى وجودي، وأن أشارك في تشييع من رحل، وأن أواسي من بقي.
فالإنسان لا يعيش بالعمل وحده، ولا بالعلم وحده، ولا بالمشاريع وحدها. هناك لحظات يكون فيها الحضور نفسه عملًا صالحًا، ويكون ترك بعض ما اعتدنا عليه هو عين الحكمة.
وهنا أخذتني الذاكرة إلى أهل البيت (ع)، وإلى كربلاء؛ حيث لم يكن الموت جنازة واحدة، ولا فاجعة واحدة، بل كانت المصائب تتتابع أمام الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه، ويسقط الأحبة واحدًا بعد آخر.
ومع ذلك لم تتحول المصائب إلى يأس من الله، ولم تجعل أهل البيت (ع) يتخلون عن رسالتهم. وفي كربلاء، وبعد أن سقط الشهداء واحدًا بعد آخر، بقيت السيدة زينب (ع) والإمام علي بن الحسين (ع) يحملان أمانة ما بعد المأساة. لم تنتهِ الرسالة بسقوط الأجساد، ولم يُدفن الدين مع الشهداء، بل بدأت بعد ذلك مرحلة أخرى من حفظ الحقيقة وإيصال صوتها إلى الناس.
وهنا أشعر أن بين ما رأيته في أيام العزاء وبين كربلاء مسافة هائلة في حجم المصيبة، لكن هناك معنى إنساني وروحي يمكن أن نتعلمه: الموت قد يهدم شيئًا في حياتنا، لكنه لا ينبغي أن يهدم علاقتنا بالله.
قد نفقد عزيزًا، وقد نتألم، وقد تتغير حياتنا، وقد نشعر أن شيئًا في داخلنا قد انكسر، لكن علينا ألا نسمح للحزن أن يقطع الطريق بيننا وبين الله.
وهذا هو الصبر الذي تعلمناه من أهل البيت (ع)؛ ليس الصبر الذي يعني ألا نحزن، فالحزن على الأحبة فطرة، وإنما الصبر الذي يعني ألا يتحول الحزن إلى اعتراض، وألا يتحول الألم إلى ابتعاد، وألا تجعلنا المصيبة ننسى الغاية التي من أجلها نعيش.
ولعل أعظم ما تركته لي هذه الأيام أنني صرت أنظر إلى الوقت بطريقة مختلفة. كنت أظن أن ترتيب الحياة يعني أن أعرف ماذا سأفعل غدًا، وما الذي سأنهيه هذا الأسبوع، وما الذي سأؤجله إلى الشهر القادم. أما الآن فأشعر أن ترتيب الحياة يبدأ بسؤال آخر: إذا لم يكن الغد مضمونًا، فما الذي ينبغي ألا أؤجله اليوم؟
صلة رحم، اعتذار، كلمة محبة، عبادة، عمل صالح، علم نافع، أو موقف أقف فيه إلى جانب إنسان يحتاجني.
فالموت لا يطلب منا أن نهجر الدنيا، وإنما أن نضعها في موضعها الصحيح؛ نعمل، ونتعلم، ونبني، ونخطط، لكننا لا ننسى أننا عابرون، وأن أفضل ما نفعله في هذه الرحلة هو أن نخرج منها وقد تركنا وراءنا خيرًا، وحملنا معنا ما ينفعنا حين لا ينفع الإنسان إلا عمله.
ويبقى السؤال
بعد كل ما مرّ بي في هذه الأيام، لم يعد الموت في نظري مجرد نهاية لحياة إنسان، ولا مجرد خبر مؤلم يصلنا ثم تمضي الأيام فنعتاده. صار الموت سؤالًا يرافق الإنسان وهو حي: ماذا فعلت بما أُعطيت من عمر؟ وماذا سيبقى مني حين لا يبقى مني إلا العمل والأثر؟
رأيت في أيام قليلة جنازات متتابعة، ورأيت الأحبة يجتمعون حول من فقدوا، ورأيت المسافات البعيدة تختصرها المحبة، ورأيت مشاغل الحياة تتراجع أمام حقيقة واحدة: أن الإنسان يحتاج إلى الإنسان، وأن الأهل نعمة لا ينبغي أن نكتشف قيمتها بعد فوات الأوان.
ورأيت كذلك كيف يمكن للموت أن يعيد ترتيب الأشياء في داخلنا؛ أشياء كنا نظنها عاجلة أصبحت قابلة للتأجيل، وأشياء كنا نؤجلها اكتشفنا أنها ربما كانت أولى من كثير مما انشغلنا به.
ثم جاءت كربلاء لتعلّمني أن المصيبة، مهما عظمت، لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق. فقد رحل الشهداء، وبقيت الرسالة، وسقطت الأجساد، وبقي صوت الحق، وتحولت المأساة على يد أهل البيت (ع) من جرح في التاريخ إلى نور يهدي الأجيال.
ولعل هذا هو أعظم ما يمكن أن نتعلمه من الموت: أن نستعد له ونحن نعيش، وأن نحول ما تبقى من أعمارنا إلى حياة أصدق، لا إلى خوف دائم من النهاية.
فالموت لا يقول لنا: اتركوا الدنيا، وإنما يقول: لا تجعلوا الدنيا تنسيكم الآخرة.
ولا يقول لنا: لا تحزنوا على أحبتكم، وإنما يقول: اجعلوا محبتكم لهم سببًا لأن تكونوا أفضل، وأن تذكروا أن اللقاء الحقيقي ليس في هذه الدنيا.
ولا يقول لنا: توقفوا عن العمل، وإنما يسألنا: أي عمل يستحق أن تحمله معك حين ينتهي كل شيء؟
وربما كان أجمل ما في الموت أنه يوقظ الإنسان قبل أن يموت.
فطوبى لمن سمع الموعظة قبل أن يصبح هو الموعظة، وطوبى لمن رأى القبر فراجع نفسه قبل أن يُحمل إليه، وطوبى لمن أعاد ترتيب حياته قبل أن يُجبره الموت على ذلك.
ويبقى السؤال الذي لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابةً عنا: لو جاءك الموت اليوم، ماذا تتمنى أن يكون في حقيبتك؟
ماذا ستترك وراءك من أثر؟
ومن سيذكرك بدعوة صادقة؟
وهل ستجد في صحيفتك ما يجعلك تقول: يا رب، لم أُضِع عمري كله؟
ربما لا نستطيع أن نختار متى نموت، ولا كيف يكون رحيلنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيش ما بقي لنا.
فحين يعلّمنا الموت كيف نحيا، تصبح كل لحظة فرصة، وكل لقاء نعمة، وكل عمل صالح زادًا، وكل إنسان نحبه أمانة.
اللهم ارحم موتانا وموتى المؤمنين، واشفِ مرضانا ومرضى المؤمنين، وارزقنا حسن العاقبة، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا، واجعلنا ممن إذا ذُكّروا بالموت استعدوا، وإذا نزلت بهم المصائب صبروا، وإذا عرفوا الحق اتبعوه، واجعل لنا في محمد وآل محمد (ع) أسوةً ونورًا وثباتًا.
* تنويه: كتبتُ هذه الكلمات بعد أيامٍ ثقيلة شهدتُ فيها رحيل خالتي رحمها الله، ثم لحق بها أخوها في اليوم التالي، فوجدتُ في الموت دروسًا لم أكن لأتعلّمها من كتابٍ أو مجلس.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
